الأمير سلمان الحرفوشي

الأمير سلمان بن ملحم الحرفوشي البعلبكي الخزاعي، من أمراء الحرافشة الذين تولوا الحكم في بعلبك وشرقي البقاع اللبناني وحكموا ما يقارب ثلاثة قرون ونصف من العام ١٤٩٧ حتى ١٨٦٦، تاريخ القبض عليه هو و قتله.

كان السلطان العثماني، على أثر حرب القرم، قد أصدر خطاً يعرف بالخط الهمايوني مكافأة للنصارى، يجعلهم فيه مساوين للمسلمين في الحقوق لكن عمّال الباب العالي أفسدوا هذه المنحة، وأساؤوا استعمال هذا الخط الشريف، إذ تسببوا بمذابح سنة الستين. ولكي يتمكن هؤلاء العمال من إبادة النصارى والتلاعب بالدول العظمى، بإخفاء الحقيقة عنهن تحت ستار الخداع والوهم، كان لا بد لهم أن يكتسبوا بعض المسيحيين ويثقوا بمشاركتهم لهم في إنفاذ المهمة. وقد كان لبنان من قديم الدهر ملجأ للنصارى في سورية إبان الاضطهاد، فتوسلوا بكل الوسائل الممكنة لهدمه. وعلى أثر تعيين أحمد باشا (سر عسكر) للعساكر في دمشق الشام وخورشد باشا مشيراً لبيروت، أخذ بعض الموظفين السريين يطوفون الأقطار السورية ويوقعون الوثائق والعهود الولائية بين الطوائف والعشائر غير النصرانية، وكلها ضد المسيحيين. فهذه الوثيقة عُرضت على الأمير الحرفوشي فأبى توقيعها عزةً واباءً. وقد نبه أهل زحلة إلى مضمونها تحذيراً لهم. فكان أن حنقت عليه حكومة الشام وشددت عليه النكير. فاحتج على عمل الحكومة وطلب إجراء المحاكمة القانونية. لكن الحكومة أرسلت عليه قوة عسكرية وإذ لم تجده أحرقت منزله ونفت عائلته إلى كريت فخرب بيته تماماً. وإذ رأى الأمير ما أصابه من جراء عمله الشريف، هام على وجهه من الجبال والقفار.

وكان الأمير الحرفوشي صديق يوسف بك كرم ومعجباً ببسالته، وبعد ملاحقته من قبل الحكومة قاتل الى جانبه وعندما عُيّن كرم قائمقام للنصارى وبدأ بتعيين مأموري دوائر القائمقامية٬ عيّن الأمير الحرفوشي مأموراً في إحدى الدوائر. ولما زار فؤاد باشا اهدن، سلّم الأمير الحرفوشي وأخيه أسعد وأقاربهم أمرهم ليوسف بك كرم. فأدخلهم عند فؤاد باشا وعفا عنهم وحضهم على حسن السلوك.

وشارك مع كرم في مواقع عدة أهمها: المعاملتين - بنشعي – سبعل - أيطو - اهدن - إهمج - وادي النسور.

وقد بذل مدير غزير أفندي شهاب محاولة للإيقاع بين كرم وحرفوش فأرسل برقية إلى داوود باشا في ٢١ آذار ١٨٦٦ يُخبره عن عرض سلمان قتل رفيقيه لقاء وعد بالعفو يضمنه قنصل فرنسا المقيم في بيروت مباشرة بعد الهجوم على غزير، وهي تثير الشكوك حول جديتها وصحتها والغاية من إرسالها هي على الأرجح ليست إلا نوعاً من المناورات التي لجأ إليها الحاكمون عند عجزهم عن وضع حد لتمرد الصديقين بغية التفريق بينهما.

وفي وادي النسور ترك الحرفوشي البك ورجاله. قال الشيخ أسعد بولس الذي كان معهم: "ولما كان الصباح قال الأمير سلمان الحرفوشي: "يا مشايخ٬ إنه لم يعد لنا طريق مفتوحة، ولا منفذ نتمكن من الخروج منه إلى حمى العرب، لأن الطريق مسدودة. واذا هبطنا إلى السهل قطعوا علينا خط الرجوع وضيقوا علينا فأمسكونا كالدجاج". ثم قال: "أريد أن أنفصل عنكم وأتوجه إلى جبل أكروم وأختفي هناك وأرى يا بك، أن ترجع إلى جهات إهدن وتختفي بالقرب منها وتُبقي معك أبو حسون وأسعد بولس وخادمك، ولا تدع أحداً يدري بمكانك، واذ ا نزلت بِكَ مصيبة كنت قريباً من أهلك، وربعك، فإنهم لا يخونوك ولا يشون فيك، ومتى الأرض حملت راجلها أتوجه إليكم وعلى الله الاتكال وقبل أن أودعكم لي كلمة اقولها: "إنه قد شاع أني تبرطلت على قتلك يا بك. فإن كان بالقوة فأنا في يدكم، وإن كان غدراً فليس لي خلاص ولا مفر، هذا شيء مصدق. وقد كتب إلى بعضهم يقول أن يوسف بك مراده يمسكك ويسلمك للدولة. فأجبته هذا مستحيل ولم أصدق هذه الأقاويل". فقال له البك: :إن هذا الكلام لا نصدقه لا نحن ولا أنت". قال أسعد بولس: "ثم ودعنا وهو يبكي حتى أبكانا".

لازم سلمان الحرفوشي يوسف بك كرم في عصيانه على الدولة وثورته، ثم ما لبت أن فارقه عام ١٨٦٦ وفرّ إلى مدينة حمص فوشى به حسن دوريش وسلّمه إلى الحاكم ومن ثم سجن في دمشق وتوفي بعد ٣ أيام من سجنه. تعددت الروايات حول مكان القبض على سلمان وظروفه، كما إختلفت حول كيفية موته وملابساته وإن كان غالب المهتمين يعتمدون على بيت في قصيدة شهيرة مغناة وردت على لسان سلمان عند القبض عليه، وهي بشكل رسالة موجهة إلى أخيه أسعد الذي كان حينها في المنفى

حسن درويش يا أسعد خان فيَّ

 

ورماني بالمهالك والردى

 
قُتل الأمير سلمان بيد الأتراك كمعظم آبائه وأجداده بعد أن تشتت الحرافشة بين قتيل ومنفي في كريت وأدرنة والأناضول ومصر (في مرحلة لاحقة) وغيرها من الأمصار التي قلما سمع بإسمها من بقي منهم في بلادهم. ولا يزال الناس بعد فقد رجل خطير الشأن عظيم القدر يخشون من الفراغ الذي سيخلفه، يرددون مع سلمان أو مع من قال على لسانه هذا البيت الذائع من الشعر الذي قل من لا يحفظه و يردده من أهالي بعلبك والهرمل وسكان البوادي والمدن حتى حلب والجزيرة العربية
 

يا ذلك يا بعلبك بعد سلمان

 

صرتي مراح لخيول العدا

 
وقال المطران يوسف الدبس: "وأعطاه كرم مبلغاً كبيراً من الذهب لينفقه في حاجاته ولم يطل الأمر حتى غدرت به الحكومة العثمانية وأعدمته".
شارك