موقعة إهمج وعنايا الأربعاء، ۱٤ آذار ۱۸٦٦

ورأى يوسف بك كرم بعد معركة سبعل أن البارود كاد ينفد من عسكره الذي تعب من تلك المعارك المتجددة، وأشفق كرم أن يرى هؤلاء الأبطال يموتون في سبيله، وأنه إذا عقد اتفاقاً مع أعدائه لم يلبثوا أن ينقضوه، فصرف معظم رجاله وانسحب إلى إهدن، آملاً ألا يغرّر العدو بنفسه ويتبعه  إلى تلك الجبال الشاهقة وفي ذلك الفصل الشديد البرد. وعقد تلك الليلة (الجمعة ٢ آذار) ديواناً حربياً، وقال لرفاقه وذويه: "ان البلاد ليست كلها معنا ونخشى الوشايات والخيانة، ولست أريد أن يهلك أولادي وتخرب بلادي. فالرأي أن أختفي، وأنتم تستسلمون للحكومة". ثم عمد إلى الاختفاء.

وهبط الخوري يواكيم يمين وعبود كعدو وبعض الكهنة والوجوه وسلموا أنفسهم لحسن باشا، فأمسكهم رهينة عنده وساروا بعد ذلك بمعيته. وقد طلب إليهم أن يخلوا له حيّاً من أحياء إهدن لإقامة العسكر الذي دخل إهدن نهار الأحد ٤ آذار فرقاً وطوابير، وكان الفرسان في المقدمة ومعهم الكهنة من إهدن ومن الكرسي الأسقفي، وقد طوقوا البلدة بالعساكر مخافة أن يكون كرم مختفياً فيها. ودخل القواد فنزلوا في قصر يوسف بك حيث لقوا كل احترام على ما تعود أن يعامل به آل كرم ضيوفهم. ثم جاء داود وطلب من الأهالي السلاح الذي كسبه الكرميون من العسكر فحاول، لكنهم لم يسلموا سوى عشر بواريد.

الكهنة الذين كانوا بمعية الخوري يمين هم: الخوري جرجس الدويهي والخوري بطرس سعاده عزيزي، الخوري يوسف معوض، والخوري إسطفان شلهوب والخوري نقولا دحدح والخوري فرنسيس يمين، والخوري حنا بشارة من عينطورين.

الخوري بولس روحانا أبي ابراهيم قال:
"... وصرف كرم رجاله اعتقاداً منه بأنه لا بد لداود باشا من طلب الهدنة بعد هذا الانكسار ولم يبق معه سوى ١٥ رجلاً سار وإياهم إلى داره إهدن. ولكن داود باشا ما لبث أن جرد حملة أخرى وجهها إلى اهدن، وهي أكثر عدداً من الأولى، وبينها شرذمة من العساكر اللبنانية. فرأى كرم ان يتوارى عن العيان ريثما يكون قد أعد العدة الكافية للبطش بأخصامه. وزار بهذه المناسبة كثيراً من قرى الشمال فكان الجميع يستقبلونه بالترحاب والإعجاب. وكان من جملة القرى التي زارها قريتنا "مسرح"، إذ نزل ضيفاً على نسيبنا خليل ابراهيم وقد لاحظنا فيه تدينه، ويقظته الشديدة، ودماثة أخلاقه، وعدم اعتداده بنفسه، على ما كان عليه من الفروسية والشباب الغض وكان العسكر الشاهاني يتبعه من الوراء ولا يجسر على التحرش به".

قال كرم: "فأشعر حسن باشا سيادة مطران طرابلس بأن الجيش جاء خصيصاً لمساعدة داود باشا وأني إذا أردت مغادرة لبنان فلن أُطارد وكما ترى فإن أساليب الخطة لم تتغير، ورغماً عن ذلك لم أسمح لنفسي أن أعارض أسلوبي في الخضوع الشرعي وبطلوعي إلى إهدن، أوعزت إلى بعض الكهنة والأعيان بأن يفرغوها من السكان وأن يذهب هؤلاء إلى سيادة مطران طرابلس حتى يرحبوا منه أن يُطمئن حسن باشا بأني أغادر إهدن وتوجهت لجهة البترون وجبيل كي أبحث عن منفذ بين الثلوج وأذهب إلى خارج لبنان في بلاد بعلبك وبهذه الوسيلة قد وفيت بالرغائب التى طلبها عمال السلطنة وظننت أن العسكر سيأتي إهدن. وأوعزت الى خدمي أن يستقبلوه بكل تشريفات واحترامات الضيافة الشرعية، وحسن تطلب أولاً على الأعيان والوجوه أن يؤكدوا له خطئاً، أني تركت إهدن، وبعد يومين جاءها هو وجاءها بعده داود باشا وأمضوا فيها ثلاثة أيام في منزلي، وفي ساعة الرحيل، أسلم داود باشا بيتي للنهب وللنار ودفع الجيش من جديد لمطاردتي وهل أنا بحاجة إلى وصف هذه التصرفات؟".

قال أسعد بولس: "وفي اليوم التالي (على مغادرة كرم إهدن) صعدنا إلى قرية "بان" ثم ارتفعنا إلى أرض عين بقرة وصرنا نشاهد دخول العسكر الذي وصل إلى مطل إهدن ثم وقف العسكر طوابير والخيل وحدها. ودخل أولاً شلية خيل ومعهم خوارنة من إهدن، وطافوا في أرض إهدن كلهم مخافة وجود رجال كامنين. ثم عاد بعض الخيالة وأخذ العسكر يسير فرقاً فرقاً حتى انتهى كله. ثم دخلت بعده الدواب والمعدات شيء كثير. وانقضى النهار وبتنا تلك الليلة. وفي الغد ودعت الأهالي وتركت جهات إهدن وسرت حتى وصلت قرية "كفور" العربة حيث عرفت أن "يوسف بك" في دير البصة، فسرت إلى الدير فرحب بي أهله وأخبروني أن البك كان عندهم وتوجه من يومين واجتاز إلى كفرخلدة ودوما، ولا يعرفون أين توجه بعد ذلك. فصرنا نسأل عنه في هذه الأماكن وهم يقولون أنه مر بنا. وما زلنا نتقصى أخباره وآثاره حتى تحققنا أنه مريض في دير ميفوق. ولما أشرفنا على الدير وحوربنا عرف صوتنا. فنهض ولاقانا إلى باب الدير وأخذني مصافحة. وبعد السلام سألني عن حالة الأهالي فأجبته أن الحالة غير مرضية والناس الآن مشغولون بقتلاهم وجرحاهم، وأن بعض العيال تشتت شملها في الفلا والأيام شتاء وبرد. فكان يجيبني: "الله يفرجها!". ثم اننا جلسنا في المقعد وأخذ يسألني بعض الأسئلة عن دخول العسكر وعن حالة الأهالي. فأخبرته عن حالتهم المحزنة. فقال لي: "الله يفرجها علينا وعليهم!". وبقينا ذلك اليوم في الدير".

"وبلغ البك أنهم دروا بوجوده في ميفوق، وأن طابورين من العسكر الشاهاني قادمان إليه، فنهضنا من هناك إلى قرية جاج وبقينا ذلك النهار، ثم دعينا إلى قرية مشمش وتناولنا الطعام في منزل الشيخ الياس شحاده وعدنا إلى جاج، ثم توجهنا منها إلى قرية ترتج. ونهض العسكر في اليوم التالي من دير ميفوق وسار العسكر اللبناني بكامله مشاة خيالة والمعلمجي المسيو الطاب إلى دير مار مارون عنايا. فخاف أهل القرى واجتمع جمهورهم جوار قرية إهمج واشتعلت نار الحرب ونحن غير بعيدين. وكان القوم يخابروننا لينزل البك إلى ميدان القتال، فلم نقبل بذلك".

"وأمرني البك أن آخذ معي بضعة أنفار وأسير إلى موقع القتال نظير نجدة، فذهب معي بطرس الكوكو وبطرس نمنوم اللذان جاءا معي من إهدن إلى ميفوق وسمعان صالح من كسروان ومعه ثلاثة رجال فصرنا سبعة. وهناك جمع غفير كالغنم النافرة من وجه الذئاب. ثم اننا تقدمنا ورفعنا أصواتنا وأخذنا بإطلاق النار على الشلاشة، فرديناهم على أعقابهم وكانوا قاربوا إهمج. فما زلنا نضربهم نحواً من أربع ساعات حتى تقهقر العسكر اللبناني إلى وطى أرض مار مارون، وفصل بيننا ظلام الليل. وسرنا فوجدنا البك في برية وقد أوقد ناراً. فوصلنا إليه وقد أنهكنا التعب والعرق، فترامينا إلى جانب النار وأتونا ببضعة أرغفة وأكل كل منا رغيفاً. ثم قام بنا البك إلى قرطبا وقدامنا ثلوج. وكان معنا الأب رميا نجيم من الرهبانية الحلبية، وهومعتاد على الرفاء. وقلنا له: "هل تستطيع المشي يا أبانا؟". فقال: "الله يعيننا يا ابني. فالعسكر الشاهاني في قرية جاج بعيد عنا ساعة، والعسكر اللبناني في أرض دير مار يعقوب، ونحن في الصحراء يكبسوننا كبسة مهلكة، فقوموا بنا". فقمنا وصارت الدواب تغرق في الثلج. وكان بغل يحمل جباخانة (ذخيرة) وبغل آخر مؤونة وحصان البك. وكان إذا وصلنا إلى الثلج يقول: "أمسكوا يداً بيد على حزام البغل وارفعوه". إلى أن وصلنا إلى قرية قرطبا. فنمنا غفوة ونهضنا فرأينا حالتنا غير محمولة في هذه القرية، لأن أهلها لا يحسنون القتال وليس لديهم سلاح، فأكلنا في الدير ونهضنا إلى قرية العاقورة نجد السير".

وبلغ الخبر أهل العاقورة فلاقونا ورحبوا بنا. وأقمنا عندهم ثلاثة أيام. وفي ذاك الحين وصلت إلينا الأخبار أن درويش باشا وداود باشا صعدا إلى إهدن وأقاموا جميعا في دار البك، وأمروا بحرقها بعد خروجهم منها. وقد وقفوا على شرفة في إهدن ينظرون الحريق. ولم يبارحوها حتى احترقت. وقد استاء البك من ذلك وقال: "عيب عليهم أن يحرقوا داراً أقاموا فيها. فليست هذه الأعمال أعمال وزراء". وذكر عن سجل اليسوعيين وعندما دخل العساكر القرية وانهزم، والكرميون يطاردونهم مسافة ٤ ساعات حتى وطى مار مارون عنايا حيث فصل بين الفريقين الظلام وعاد رجال البك فائزين وقد دامت هذه المعركة ١١ ساعة ذهب فيها بعض القتلى.

شارك