موقعة عين الجوز وبشناته السبت، ٧ تموز ۱۸٦٦

قال كرم:
"إن المسيو ديزسار كان مغزّى بنعم داود باشا، اتفق معه، لكي يجعلوني حاقداً على من كنت أحترمهم كل الاحترام وهو المنسنيور باليرغة بطريرك أورشليم، وبدأت تظهر حقيقة حالة الأحوال وما كنت أقاسيه من الاضطهاد في باريس واسطنبول، وكان الباشا والقنصل يهتمان بشهادة المنسنيور باليرغة القيمة حتى يبرّئن سلوكهما، وبناء على طلبهما ونفقتهما، هذا الموقف الاكليريكي هبط بيروت، وجاء من خابرني من قبله أنني إذا كنت أريد أن أطلب مقابلة من سيادته ليهتم بحالي ويمهد كل الصعوبات، فيما يتعلق بالقانون ولم أتردد حالاً من أن أخاطب البطريرك المذكور الذي أجابني: "انه لا يقدر على التحدث معي، ما لم أتعهد خطياً باتباع نصائحه" وبناء عليه أرسلت إلى سيادته تأكيداً رسمياً لخضوعي التام للشرائع الاكليريكية والمدنية ولكن هذا خبر غير كاف للبطريرك الذي على ما أكدوا لي كان غاضباً والذي أعطى تحريرين أحدهما إلى داود باشا والآخر إلى المسيو ديزسار جوهر فحواها أنى لا أريد أن أخضع لا بالسلطة الروحية ولا بالمدينة ويُقدَّر بأن نسخاً عن هذين الكتابين أُرسلت إلى باريس والأستانة ومن ثم صدرت الأوامر باتخاذ تدابير قاسية وحازمة ضدي وقد ضم إلى العسكر المحتشد في شمالي لبنان ثمنماية مسلم من الضنية في نجدتهم درك طرابلس وعلى رأسهم المدير أحمد آغا الانجا وهذا صادفني في عين الجوز حيث كان معي الستون رجلاً الذي على أتيت على ذكرهم وقد كان بوده التشاور مع فرق أخرى أشعرها بذلك لإعداد هجوم عليّ من الطرفين بوقت واحد ولكنه لاستلامه إلى العجلة هاجمني بغتة فاندحر تاركاً في قبضة يدي بعض الأسرى الذين لم ألبث أن أطلقتهم وسلمتهم أسلحتهم".

ثم سيّروا على كرم ما عدا القوات المرابطة في الشمال كتيبة قوامها ٨٠٠ جندي من درك طرابلس المشاة والفرسان، بقيادة المدير أحمد آغا الانجا (انجابك) الذي جاء لمهاجمة كرم في عين الجوز بأرض بشناته، على مسافة ساعتين من إهدن، وليس معه غير ٦٠ رجلاً.

وقد فاوض المدير سائر القوات لإعداد هجوم عمومي يكون الضربة القاضية، لكنه لقة صبره هاجم كرماً بغتةً. وكل واحد من رجاله يشوي اللحم بشيش بارودته. فقال كرم لرفاقه: "لا يفعل أحد منكم شيئاً. ثم وقف على شرفة والتفت إلى المهاجمين وخاطبهم قائلاً: "اذكروا يا قوم حقوق الجوار، اذكروا ما فعلناه معكم على عهد الحكومة المصرية يوم خبأنا آغاواتكم وأعيانكم في إهدن على مرأى من ابراهيم باشا نفسه. فعار عليكم أن تجحدوا معروفنا وتخونوا عهدنا ونحن في أرضكم". ولكن ذهب كلام كرم أدراج الرياح، وأخذوا يطلقون الرصاص بشدة فصاح البك برفاقه قائلاً: "أولادي الآن أريدكم".

وأخذ يضرب بالأعداء يميناً وشمالاً فانهزموا، وكرّ رجاله عليهم كرّة الأسود وما زالوا يطاردونهم إلى بلاد الضنية، فألقوا القبض على أغواتها وأتوا بهم إلى كرم، فوبخهم على خرقهم حرمة الجوار ونكران الجميل، واعتذر حسين آغا شندب عن أولاده الذين كانوا مع المهاجمين فأطلقهم وقال لهم: "اذهبوا وافعلوا ما شئتم". فهذه الصدمة أضعفت همة الجيش وفتحت لكرم سبيلاً إلى غابات إهدن الأمر الذي كان ينشده.

وذاع منشور كرم في لبنان والبلاد السورية، ونقل إلى الفرنسية، فنشره عبد الأحد خضرا في جرائد باريس الكبرى وطبعه بالعربية، ولعله أرسل منه نسخاً إلى لبنان. وكان ابن خضرا قد فر إلى أوروبا(في شهر شباط ١٨٦٦) من وجه داود متنكراً بطريق اللاذقية.

وكتب رزق الله خضرا من بيروت إلى رفيقه عبد الأحد في باريس: "...وقد جرت في ٧ الجاري (٧ تموز) معركة بين كرم و ٤٠٠ فارس من عكار والضنية، فتقهقروا مع أنهم خبيرون بالبلاد وأحوالها، وكسرهم وليس معه سوى ٧٠ رجلاً وجرّدهم من سلاحهم. وقد هاجم ٤٠ من رجاله العسكر الرابط في حدث الجبة، فشتتوا شمله وألقوا الرعب في قلب هؤلاء الأوباش الذين لا قوة لهم الّا على النساء والقوم العزل.

أسعد بولس قال:
"...وعندما وصلنا إلى مزيارة سألنا عن البك، فأخبرونا بأنه في عين الجوز بالقرب من قرية بحويتا. فتوجهنا إلى البك وبعد التحية قال لا بد أن تكونوا حتى الآن ما أكلتم وأمر لنا بذبيحة، فأخذ كل منا يشوي لحماً ويأكل. وبينما نحن نأكل قال: "البدّ أن أهالي الضنية صاعدون إلينا مع القائد محمد آغا الانجا ومعه جندرمة ولاية طرابلس". وما كاد يقول هذا حتى دوى إطلاق البارود ومال الخفر إلينا، فقال البك: "إركب فرسك واصعد من هنا إلى اليمين، وأنت وأخوالك خذوا الجهة الثانية". فسرنا عليهم وضربنا الجندرمة فانهزموا من أمامنا وقتل واحد من الخيالة وانكسرت رجال الضنية أمامنا ومسكنا منهم أربعة رجال ومسك البك ورجاله أولاد شندب ونزع سلاحهم. وحضر حسين شندب واعتذر. فوبخه البك وقال: "جايين تقاتلونا؟ كنا نظن أنكم تقدمون لنا الذخيرة، ما هذا حق الجوار!" ثم جمعنا سلاحهم وأرجعناه إليهم وسلمه الرجال وأولاده".

بطرس يمين قال:
"إن محمد آغا الانجا كان مديراً في نواحي الضنية وكان قد سمع بانتصارات كرم على أمين ودرويش باشا وعساكرهم فصعب عليه هذا الأمر جداّ وكان أيضاً قد اجتمع في طرابلس مع داود باشا ووعده بأن يساعده على كرم فألقى الأرصاد بأنه أي وقت أتى كرم لجهة الضنية يعلمونه به حالاً وكان كرم قد علم بهذا الأمر فانتخب خمسين شاباً ممن عليهم الاعتماد وسار بهم إلى بشناتا وأرسل الياس الخوري من مزيارة للضنية وأعلم محمد الانجا بأن كرم موجود على عين الجوز. فلما سمع الانجا منه هذا الخبر، فحالاً جمع نحو ستماية راجل وفي مقدمتهم ملحم آغا رعد من سير وثانٍ يُسمى محمد الدريعي من قرية عزقي وسار بهم، وجد البك ورجالهم بانتظاره، ودآر البطش في المعركة وكان في مقدمة الرجال البدوي حبيب كرم، جفلت قلوبهم وولوا منهزمين فقال كرم لرجاله أن لا يؤذوهم في الرصاص، فصاروا يطلقون الرصاص في الهواء وعفوا عنهم وقبضوا عليهم وعرضوهم على البك وقال لهم: "اذهبوا لأهلكم بسلام ولا عدتم تنحرفون بمثل هؤلاء الأندال الأغرار الذين لا يعتبرون حرمة الجوار".

شارك