موقعة سبعل الخميس، ۱ آذار ۱۸٦٦

وكتب داود باشا إلى حكومة الباب العالي: "إن الفوز على كرم أصبح ضربة لازمة". فأرسلت إليه حملة كبيرة جعلت عليها درويش باشا، الذي رقي إلى رتبة مشير بعد حملة الجبل الأسود. وفوضته باتخاذ التدابير الشديدة لقمع الثورة وجباية الأموال، وضرب غرامة حربية على الأهالي نظير تعويضات. وبعد وصوله إلى بيروت بأيام، أرسل إلى كرم إنذاراً في ٢٦ شباط، يدعوه إلى التسليم ويمهله ثلاثة أيام. ثم أبحر الى طرابلس ومعه داود على الدارعة اللبنانية (في ٢٧ منه) وأصدر أمراً إلى كل المراكز يمنع تصدير الحبوب والمؤن إلى القرى الثائرة في لبنان. ولما بلغ القائد العام طرابلس سيّر الحملة، وكانت مؤلفة من ١٢٠٠٠ جندي، وتولى قيادة الطوابير الفريق حسن باشا، وكان معه أمين باشا وعباس باشا وقبولي باشا ومصطفى باشا.

وسارت هذه العساكر الجرارة في ٢٨ شباط إلى زغرتا. قالوا أن درويش دهش إذ لم ير حاجة إلى مثل هذه المعدات العسكرية، وقد استخف بحرب كرم ونسب فوزه السابق الى قلة دربة أمين باشا.

قال ديكرو:
"وفيما كان كرم صباح اليوم التالي (أول آذار) يشهد الذبيحة الإلهية في كنيسة سبعل، إذا بواحد من كشافته ينبئه بأن طلائع العسكر قد ظهرت ووراءها فرق الجيش، فأيقن أن القائد أخلف بوعده. ثم عرف أن العسكر بعد دخوله بنشعي أضرم النار في منازلها وواصل الزحف إلى سبعل، ولم يلبث أن نشب القتال بينه وبين الكشافة، مما دعا كرماً إلى خوض غمار الحرب".

قال البشعلاني وحدثني سمعان نغليش أحد رجال كرم قال:
"ولم ينخِ البك رجاله في موقعة سبعل كعادته، فقد رأى كثرة ما يهاجمه من العساكر وقله ما لديه من الذخائر، فتراجع أولاً إلى أيطو وتبعه العسكر الذي توقف بسبب ظلام الليل، فارتد عليه كرم برجاله وهزمه شر هزيمة وغنم كثيراً من ذخائره الحربيه". قالوا أن خسارة الجيش كانت كبيرة وقد نزل به الفشل وفقد القوة المعنوية التي هي سر النجاح. ولم يفقد كرم سوى بضعة رجال، وأصيب البطل المغوار بطرس توما المعدود من كبار قواد الكرميين بجراح خطرة، فنقله رفاقه إلى بلوزا ولم ينفعه دواء فتوفي بعد ثمانية أيام".

بطرس بمين قال:
"وفي موقعة سبعل قتل من رجال كرم ستة أنفار وهم بطرس توما الكوسا والشيخ يوسف العشي وعبود البدوي الكوسا والبدوي ميرى المعروف بأبي حمص وجريج اغناطيوس المصري ويوسف الياس يمين وخمسة عشر مجروحاً. وقُتل من العسكر اللبناني (درك) تسعة أنفار ومن عسكر درويش باشا مئة وتسعين ونحو ألف مجروح... ورجع كرم ورجاله غانمين الذخائر وهذه الموقعة كانت مرة جداً لأن الرجال أكثرهم حاربوا في السلاح الأبيض. فارتجت لها الأرجاء في الأنحاء ولم يكن أحد يظن بأن كرم بنفر قليل يحوز هذا الانتصار العجيب".

وكانت الحكومة حرصاً على كرامتها وخوفا من الفشل وسخط الرأي العام تنشر الأخبار على ما يوافقها وتبعث البرقيات إلى جميع المراكز والمقامات: إن الجيش المظفر دحر كرماً وكبده خسارة عظيمة وقتل وجرح وأسر من رجاله المئات، حتى أذاعت أن كرماً نفسه وقع أسيراً في يدها. ولكن لم يلبث الواقع أن كذب هذه الأخبار، لأن ميدان القتال لم يكن بعيدا والمواصلات غير مقطوعة بحيث لا يمكن إخفاء الحقيقة، بل إن أخبار الحكومة تكذب نفسها، إذ تقول أن كرماً وقع أسيراً، ثم تذكر بعد قليل أنها هاجمته. والغريب أن رجالها كانوا يقولون أن العسكر العثماني قتل بعضه بعضاً بسبب الظلام أو الضباب يوم بنشعي. وأغرب من هذا أن الأمير سعيد شهاب ميرالاي العسكر اللبناني كتب إلى زوجته يقول: "إن خسارة الحكومة بلغت ٦٠ قتيلأ، بينا أن حامل الرسالة أخبرها سراً بأنها بلغت ٢٠٠ قتيل. ولهذا فإن رئيس الأباء اليسوعيين في غزير الذي كان يدون الأخبار عن كرم على علاتها تفادياً من التشيع، لم يسعه إلا التصريح بأن الحكومة تموه على الناس وتنشر هذه الأخبار، تسكيناً للخواطر التي هاجها انكسار الجيش العثماني أمام قوة كرم الصغيرة. ومما ذكره أن السلطة في غزير لم تعد تثق بصحة البرقيات الواردة من مركز القيادة، لما فيها من التناقض البين فأرسل الأمير منقد عشرة من رجال الضابطة إلى جهات الفتوح ليأتوه بالخبر اليقين، وتوجه مع الخوري فرنسيس زوين إلى عرمون ليسكن خواطر الأهلين، وقد عزم أهل غوسطا وعشقوت على طرد العسكر من غزير فهددهم السيد البطريرك بالحرم.

والمضحك أن العشرة الذين ذهبوا إلى الفتوح للاستنباء أهانهم الأهالي وطردوهم وهددهم بالقتل، فاستاء القائمقام وقائد الفرقة، وأرسلا إلى الشيخ خليل الدحداح (المدير) لينبه الأهالي إلى السكينة، وإلا فإن العسكر التركي سيخرب بيوتهم. غير أن هذا كله لم يكن يمنع من وصول الأنباء الصادقة عن مواقع القتال، فإن رئيس دير غزير مع ما كان يرد عليه من الأنباء عن مصادر داودية، إذ أن داود والطاب وغيرهما من رجال الحكومة كثيراً ما كانوا يختلفون إلى الدير، فإن الأنباء كانت تأتيه من مصادر صادقة عن كرم.

وكتب المسيو ستفانللي وكيل قنصلية النمسا في بيروت قال: "إن يوسف كرم أبدى في المعارك الأخيرة التى جرت بينه وبين الأتراك شجاعة عظيمة ومهارة نادرة حتى توصل إلى الهجوم على المدفع. ومرّ بدير غزير الدكتور سوكه طبيب دولة فرنسا في سوريا المشهور عائداً من طرابلس إلى بيروت فصرح: إن يوسف كرم كسر الاتراك ثلاث دفعات، وأنه رأى من الحكمة أن يتوارى الآن عن العيان". وتلقت قنصلية بيروت من المسيو بلانش قنصل طرابلس برقية يؤكد فيها تغلب كرم التام وانتصاره الباهر على العسكر العثماني ولا سيما في موقعة بنشعي الكبرى.

جاء في سجل دير غزير أن الأنباء عن وقائع كرم كانت تؤثر رجال المقام البطريركي تأثيراً شديداً، فانتصاره يخيفهم كما يخيفهم انكساره، ذلك لما يخشونه من قيام الموارنة وهياجهم في كل الحالين مما يسبب احتلال الأتراك. وقد أدرك كرم هذا ففوض أمره إلى القنصل الفرنسي العام في بيروت الذي أجاب المطران طوبيا قائلاً: "لقد أعيت قناصل فرنسا الحيل لإقناع كرم بقبول وظيفة عند داود فلم يقتنع، وانني بعد أن تلاعب بي أتركه وشأنه لداود ودرويش".

وجاء فيه أيضا: "إن السيد البطريرك لما رأى قنصل فرنسا نفض يده عن مسألة كرم، صرح للآباء اليسوعيين الذين زاروه: إن موقف قنصل فرنسا هذا يؤدي إلى ثورة عامة في سوريا كلها، فينهض المسيحيون والمسلمون والدروز والمتاولة مع كرم ويضعون يدهم في يده لخلع نير الدولة العثمانية عن أعناقهم".

وقد فاوض الآباء اليسوعيون في بيروت المسيو ستفانللي وكيل قنصل النمسا للاجتماع بسائر قناصل الدول والإلحاح على قنصل فرنسا للخروج من موقفه الحرج، والا فإن حالة سوريا في خطر، إذا بقي مصرّاً على عزلته بشأن كرم.

ولا نرى في موقعة سبعل ذكراً لأسعد بولس، لأن البك كان قد وجه به إلى بلاد البترون لجلب المؤن، وقد كاد يفرغ ما كان في منزله بإهدن من الحبوب. ولما مرّ بالكورة، اجتمع بخاله بشارة كرم الذي جاء بأمر البك لأجل المحافظة.

وقد نشب القتال بين الكرميين والعسكر اللبناني وكان منبثاً في تلك الجهات، في كوسبا وأميون (١٩ شباط) وتمكن رجال كرم من تشتيت شمل عسكر القائمقام ففر إلى طرابلس لا يلوي على شيء، وكان عدده ٢٠٠ بقيادة أحمد آغا عبد الواحد الذي كان خصماً للزغرتاويين. وكان الخصام يقع بين رجال كرم وأهل الكورة الذين دخل بعضهم في الخدمة العسكرية، واذا برسول من قبل البك جاء يوصي بالمحافظة من كل اعتداء حتى إذا شهر أمر البك لم يعد يجرؤ أحد على المخالفة.

وقد قبضت السلطة على الشيخ أبي قبلان العازار بحجة أنه من حزب كرم، وساقته إلى طرابلس فبيروت. وكان داود جعل لمن يقبض عليه جائزة قدرها ٣٠٠٠ قرش. وقيل أن مواطنيه وشوا به لاعتناقه المذهب الكاثوليكي، على أنه ما لبث أن أخلي سبيله. أما رجال كرم فانقسموا ثلاث فرق: فرقة سارت بمعية أسعد بولس إلى عبرين، وفرقة بمعية سمعان صالح ترابط في جسر المدفون، والثالثة في قلعة المسيلحة وجرت بينهم وبين العسكر في دكان فدعوس وجسر المدفون وسمار جبيل (٢٥ و٢٨ شباط) مناوشات شتتوا فيها شمل العسكر. ومهما يذكر أن كاهناً التقاه أربعون فارساً من الدرك اللبناني، فتنحى عنهم واعتصم بالصخور وأخذ يطلق عليهم الرصاص، ثم هجموا عليه ففر من وجوههم، ولا تسل عما كانت تقاريرهم للحكومة بهذه الواقعة!!

قال كرم:
"...ولدى مغادرتي بنشعي لم أر مسلكاً إلا طريق الجبال العالية. وقد قسمت الثمانماية رجل الذين كانوا برفقتي إلى ثلاث فرق، الأولى تحتل سبعل، والثانية أيطو والثالثة عبرا حيث مكثت بذاتي. بيد أن حسن باشا وفقاً للخطة الحربية الموجهة إليّ، أسرع لمطاردتي واستولى على قريتي سبعل وأيطو تاركاً وقتاً قليلاً لنجاة النساء والأطفال فيها واحتل أيضاً قرية عبرا ولكن بعد خسائر فادحة.

وقد دفعته هذه الانتصارات إلى سلوك الطرق الصعبة حيث وجه عسكره إلى إهدن. وآنذاك اقتضى علينا أن نصون أعز ما نملك إهدن. ولقد قاومناهم وقابلناهم بمقاومة عنيفة وكانت موقعة دامية واسترجعنا عبرا وأيطو وحصرنا الجيش ما بين هذه الأخيرة وسبعل. ولقد تعاركنا مدة عشر ساعات والنار لم تخمد إلا بعد مرور ساعات ثلاث على غروب الشمس..."

الخوري بولس روحانا أبي ابراهيم قال:
"...وكان لهذا الانكسار (معركة بنشعي) تأثيره البليغ على داود باشا فأعد حملة أخرى من عشرة آلاف مقاتلٍ. وكان يوسف بك وقتئذ مع رجاله الذين لم يكن عددهم يتجاوز الخمسماية مرابطاً عين سبعل، وابتدأت المعركة منذ الصباح حتى المساء وكانت من أشد المعارك، وأبدى فيها "البيك" من الدهاء والحنكة والبسالة ما لم يروا مثله عن قائد من القواد في التاريخ، مما يخلد ذكره إلى الأبد. انتصر الخمسماية بطل على العشرة آلاف، وشتتوهم وغنموا منهم المدافع والأسلحة والمؤن. وسقط في هذه المعركة من العسكر نحو خمسماية قتيل ولم يخسر البك سوى خمسة من رجاله، وأصيب البعض بجراح طفيفة. ولو لم تنفذ منهم الجبخانة لكانوا قضوا على هذا الجيش اللجب الذى تشتت وخسر مادياته ومعنوياته".

وقال سمعان الخازن في كتابه يوسف بك كرم وداود باشا: "وقد أسفرت معركة عين سبعل عن سقوط تسعة قتلى وفتاة من أبطال اهدن هم: عبود البدوي الكوسا، بطرس نعمة الكوسا، الشيخ يوسف العشي، البدوي ميري، جريج اغناطيوس المصري، يوسف الياس يمين، مخائيل رفول دحدح، يوسف متى فرنجية، اسحق معوض، مريم ابنة رومانوس دحدح، وبطرس توما الكوسا توفي بعد أيام قليلة وجُرح أيضاً من رفاق كرم خمسة عشر جريحاً من بينهم بطرس توما الكوسا".

شارك