موقعة المعاملتين والعفص السبت، ٦ كانون الثاني ۱۸٦٦

وذاعت الأخبار في غزير وكسروان أن يوسف كرم قادم على رأس بضع مئات من الرجال لمقاومة داود باشا، وأنه بات الأربعاء مساء (٢ كانون الثاني) في البترون والخميس يبيت في جبيل أو نهر ابراهيم. ثم عرف أن عسكره انقسم إلى ثلاث فرق كل فرقة ٥٠٠ رجل، بلغت الأولى دير مار دوميط والثانية نهر ابراهيم والثالثة جبيل.

وكان داود باشا يُراقب حركات كرم وتأتيه التعليمات عن أحواله كل يوم. وقد كان مستعداً لمهاجمته بما لديه من القوة والمعدات الحربية، وصار عنده ١٥٠٠ جندي و٢٠٠ من رجال المدفعية و٤ مدافع وفي ٣ كانون الثاني جاءه قنصل فرنسا على دارعة جعلها مع مدفعيتها رهن إشارته.

وصدرت الأوامر إلى دمشق وحمص وحماة بإرسال قوة كافية لتأديب العصاة واخضاع الثائرين، وما لبث أن أخذت تتوارد الفرق العسكرية، منها فرقة جاءت من دمشق عن طريق بسكنتا. ونهار الجمعة في ٥ كانون الثاني وجّه داود باشا المسيو الطاب الفرنسي قبل طلوع الفجر إلى قصبة غزير بالعسكر اللبناني، وكان في غزير الأمير أفندي أسعد قعدان شهاب مدير (قائمقام) كسروان، ولديه ١٥٠ عسكرياً حتى صار عدد الجند في غزير ٥٠٠، وهناك ٣٠٠ رجل من أهل غزير انحازوا إلى الحكومة وعزموا على قتال كرم.

ذلك أن أهل غزير بلغهم في ٤ الشهر أن كرماً قرر الاستيلاء على بلدتهم وطرد المدير والعسكر اللبناني منها، لأن المدير هو السبب في اعتقال واكيم باخوس ودخول الأتراك إلى غزير. ولذلك فإن الغزيريين انقسموا إلى قسمين قسم يريد قبول كرم على الرحب والسعة، وهم أهل الحي الأسفل (الحارة التحتا) وقسم يرفضه، وهم أهل الحارة الفوقى. وقد نهض ثلاثون رجلاً من حزب كرم عندما سمعوا بقدومه وساروا للإنضمام إلى عسكره، وهم مدججون بالسلاح. أما المدير فقد وزع عسكره على أحياء غزير ليكونوا عوناً لحزب داود الذي أذاع أن كرماً مُصمم على دخول غزير ليل الخميس. فطلب أصحابه إليه أن ينجدهم بقوة كافية فأرسل يحضهم على الثبات والوقوف في وجه كرم لأول صدمة. فامتثلوا أمره وظلوا واقفين ليلهم كله، وقد أقاموا الخفراء والصبارة (الرواد) حول البلدة للاستكشاف.

أما الحزب الكرمي فقد بعث إلى كرم يُخبره بمجريات الأمور، ويطلب إليه أن يؤجل قدومه إليهم إلى حين. وصباح الجمعة (٤ كانون الثاني) وصلت غزير رسائل من البك يُصرح فيها بعزمه على أن يجعل مُعسكره العام هذه البلدة، إذا شاء أهلها، والا فإنه يتوجه إلى غوسطة. فجمع كهنة غزير أبناء بلدتهم في ساحة الكنيسة وطلبوا رأيهم فيما يكون الجواب ليوسف بك، فكان رأي أهل الحارة الفوقى إبلاغ كرم أن لا يأتي غزير، واذا أتى استقبلوه بالرصاص. فاغتاظ أصحاب كرم وكاد الأمر يفضي إلى الخصام وعندها وقف الخوري حنا (رعد) وقال: "إذا كان الأمر هكذا فلينصرف كل واحد ورأيه". وقد عاد رسول كرم وتبعه الناقمون في هذا الاجتماع من أصحاب كرم.

وبعد هذا استدعى الخوري حنا الأهالي ثانية وطرح عليهم الاقتراح الآتي٬ فقال: "نكتب إلى داود باشا أن يأمر بانسحاب عسكره من غزير٬ فإذا وافق على ذلك، كلّفنا كرماً أن يصرف عسكره أيضأ، فلم يلاق هذا الاقتراح عند أصحاب داود قبولاً. وفيما كان القوم على وشك التفرق كما اجتمعوا، إذا برسائل جديدة وردت من يوسف بك يقول فيها لأهل غزير أن يظلوا هادئين والى أشغالهم منصرفين، لأن قنصل فرنسا والمطران يوسف جعجع والمطران نقولا مراد أقنعوه أن يجعل مركزه العسكري في غوسطة، وأنه يسير إليها عن طريق الكفور، وأن المطرانين زاراه أمس، وقد احتفل اليوم بالقداس الإلهي في دير مار ضوميط فكان لهذا الخبر رنة فرح في غزير، وانصرف الفريقان على وفاق تام.

ولما ذ اع خبر مسير كرم إلى الكفور، خرج عدد كبير لاستقباله من رجال غوسطة وعشقوت ودلبتا وعرمون وغيرها من القرى الكسروانية، وهم مدججون بالسلاح.

وجاء لزيارة كرم المطران يوحنا الحاج موفداً من قبل السيد البطريرك. وقد قضى كرم تلك الليلة في دير مار ضوميط الذي لم يبارحه بسبب العاصفة والبرق والرعد على الأرجح. ويقول الكرميون أن الـ"بك" لا بد أن يبيت مساء السبت (٥ كانون الثاني) في مدرسة مار عبدا هرهريا.

إن كرماً عدل من دخول غزير، مع شدة إلحاح أصحابه بالحضور إليها، حقناً لدماء أبنائها وصوناً لها من الخراب وقد وجه من قبله رئيس دير مار ليشع الذي كان بمعيته إلى مدرسة مار عبدا ليستأذن رئيسها في النزول بديره، تحاشياً من مضرة غزير، فرحب به غاية الترحيب. على أن الحكومة كانت تكذب هذه الأقوال وتقول أنها خدعة يريد كرم أن يأخذ بها غزير، وأنها قد تحققت عن مصدر موثوق بصحته أن كرماً لا يلبث أن يبدأ القتال، وأن الدير تلقى كتاباً بالفرنسية غفلاً دون إمضاء، يعرف صاحبه، وفيه يُرجح هجوم كرم واستيلاءه على غزير، وأنه يجب وضع الأولاد في دير الآباء اليسوعيين وترك البلدة التي تقع دون ريب في أيدي الكرميين وأن البلاد صائرة إلى الهلاك والدمار.

ذاعت هذه الأخبار فقامت لها غزير وقعدت، واستولى الرعب على أهلها، فقضوا طول ليلهم ساهرين. وكان الصبارة الذين عينهم الطاب للاستكشاف في شغل دائم، ووزع القائمقام على رجال غزير المُقاتلين الذخائر الحربية، وكان هناك استحكامات وطوابير عسكرية، وعلى الجملة فإن البلدة أصبحت في حالة حرب، وهرع أهلها من الغد إلى الكنائس وتقدم كثير منهم من مائدة الرب. وكانوا يضرعون إلى الله ليقي بلدتهم شر القتال الذي باتوا يتوقعون وقوعه من ساعة إلى أخرى.

وكان داود باشا قد شعر بالخطر، فاستغاث بقنصل فرنسا مشتكياً من هذا العدد الكبير الذي يتبع كرماً شاكي السلاح، مما ينقص من كرامة الحاكم وحقوق سلطته. فأنذر كرم، فوقف في دير مار دوميط البوار حيث بلغ بحشده، وطلب إلى القنصل الذي أنذره أن يتولى بنفسه التحقيق عن شكاوى الشعب والدفاع عن حقوقه. وبعد المداولة٬ وعد كرم أن يحضر إلى جونية لمقابلة المُتصرف مصحوباً بعشرة فرسان من رجاله.

ومن ثم أخذ يهتم بصرف من كان معه، بحيث أنه لم يبق لديه في مار دوميط سوى ٥٠٠ رجل فقط.

ومن المفاوضات التي جرت يومئذ بهذا الشأن٬ رقيم ورد على المقام البطريركي خلاصته: "...قابلنا سعادة القنصل جنرال فرنسا بحسب المفارقة، وبعد الأخذ والرد صار القرار الأخير أن تصير إفادة ولدكم يوسف بك فإنه إذا كان يريد حل المشكل بوجه مرض لخيره وخير البلاد، يقدر أن يكتب الرسالة الآتية إلى القنصل الجنرال رأساً إن كان سعادتكم تريدون قبولي تحت ضمانكم، فأنا أفرق الجموع التي معي وأحضر لمقابلتك بذاتي، لا يرافقني سوى أتباعي الذين لا يتجاوز عددهم عشرة أنفار. وأني أقبل إرشاد سعادتكم وأتقدم عن يدكم لدولة المتصرف لأكتسب صفو خاطره ودخولي برضاه فإذا قبل هذه الواسطة دون إضافة شيء على هذا الكلام، جاوبه سعادته بالإيجاب هذا هو القرار. اقتضى أعراضه ليصير الإسراع بإرسال العريضة لأن القنصل يُسافر قريباً، وقد رجوناه أن يتأخر لهذا السبب".

وهاك ما جرى بهذا الخصوص بحسب رواية أصحاب القنصل والمتصرف ننقلها على علاتها ونشفعها بملاحظاتنا٬ قالوا: "في ٣ كانون الثاني أبحر قنصل فرنسا إلى جونية على باخرة فرنسية، بناء على طلب البطريرك، لإجراء الصلح بين كرم وداود، وكان لا بد من اشتراك غبطته بهذا العمل. فبعد وصوله بساعتين إلى جونية، وفد عليه المطران يوحنا الحاج والخوري نعمة الله الدحداح فاستقبلهما في قاعته وسألهما عن سبب زيارتهما فأجاباه: "إنهما موفدان من قبل السيد البطريرك لتحية سعادته". قال: "وبعد هذا". قالا: "لكي نطمئن على صحتك وصحة قرينتك وأنجالك". قال: "وبعد ذلك". قالا: "ليس لنا غرض سوى ذلك". قال: "أما لديكما شيء آخر؟ إذاً اذهبا وقولا للبطريرك أنه لا يدرك شيئاً، لأنه في هذا الوقت الذي ثار فيه الجبل كله، وأصبح الموارنة على شفير الهلاك، لا هم للبطريرك غير إيفادكما لتقديم التهاني لي؟ إنني لم آت إلى جونية لقبول التهاني". فعاد المبعوثان النبيلان اللذان لم يكونا يتوقعان مثل هذا الكلام إلى بكركي وحدثا البطريرك بما كان من أمر مقابلة القنصل. ومن الغد رجعا إلى جونية فقابلا القنصل وقالا له: "إن السيد البطريرك يسألك عن الشروط التي يتم بها الصلح بين يوسف كرم وداود باشا". أجاب القنصل: "أنا لا أعين الشروط، لكن تعيينها يكون عند اجتماع كرم وداود". فقالا: "وما هي إرادتك بهذا الشأن؟". قال: "إرادتي أن يأتي كرم أولاً مع عشرة من رجاله فقط فيُقابل قنصل فرنسا الذي يُقدمه لداود باشا للدخول في المفاوضات معه. واذا لم يصر اتفاق، فإنني أتعهد بإعادته الى مكانه كما أتى وفي اليوم التالي أخبر الوفد المذكور بأن كرماً يكون عند القنصل الساعة ٧ من صباح اليوم الآخر".

وجاءت الساعة ٨ ولم يحضر كرم وعند الساعة ٩ بينما كان القنصل مع المتصرف، جاء رسول من السيد البطريرك يقول له: "إذا كان يريد حضور كرم إلى جونية، يُرسل إليه تذكرة مرور ضمانة له". فسأل القنصل داود باشا عما يريد أن يفعله، فقال: "يجب إجابة الطلب". قال: "أهذه رغبتك؟ أو تريد أن أفعل هذا؟". أجاب داود بالإيجاب قال: "وهل ترغب في ذلك بتمام رضاك؟". قال المتصرف: "نعم". وتناول القنصل القلم ليكتب التذكرة، واذا به يسمع صوت الرصاص وقد ابتدأ القتال فالتفت القنصل وقال لرسول البطريرك: "انصرف فإن التذكرة لم يعد لها حاجة". وقد أثر صوت الرصاص في نفس داود حتى استولت عليه الحيرة ولم يعد يدري ماذا يعمل فسأل القنصل عما يوافق عمله، فقال: "لم يبق لك إلا الدخول في القتال".

ودخل البك عند الساعة التاسعة من صباح الأحد كنيسة القديس دوميط لسماع القداس الإلهي، واذا بالعسكر التركي قد جاء من جونية وهجم على رجاله على حين غرة، وأطل عليهم بعض فرسان الدراغون، عند بلاطة الغرباء تحت دير مار دوميط، وأخذوا يناوشونهم القتال، وما لبث العسكر أن تدفق تدفق السيل. فدُهش أصحاب كرم لهذا الهجوم، في حين أن المداولة بأمر الصلح دائرة بين الفريقين، وصح عندهم أن هناك خيانة، فأسرعوا إلى السلاح.

ونهض الأمير سلمان الحرفوش رفيق البك لمُصادمة العسكر الهاجم. وسمع يوسف بك صوت الرصاص فخرج من الكنيسة. وحاول أولاً إيقاف القتال حقناً للدماء فلم ينجح ونادى أصحابه، فالتفوا حوله وشبت نار الحرب بين الفريقين وغلب عسكر داود حالاً. لأن رجال كرم طاردوا الدراغون وهزموهم بشدة لا يمكن تصديقها.

أما كرم فيظهر من كلامه أنه صرف عنايته إلى جمع شتات رفاقه مخافة أن تسحقهم قوة العسكر. واشتدت المعركة عند الجسر الروماني التاريخي المعروف بجسر العاملتين على مقربة من جونية. وكان ميدان القتال في الوادي الواقع تحت غزير في فسحة قريبة من مصب النهر على الضفة الشمالية، والرجال منتشرون من مغارة الرصيف التي على الطريق عند البحر حتى النواعير، ثم اندفع رجال كرم في الطريق المختصرة التي تؤدي إلى غزير.

وفي تلك الساعة التاسعة كان داود باشا مُجتمعاً بقنصل قرنسا في جونية، وإذا برسول يركض إلى داود ففاجأه بهذا النبأ وهو: "أن ثمانين فرقة من الدراغون تقهقرت ولم تعد تقوى على الثبات تجاه رجال كرم، وقد نفذت ذخائرها. فبغت داود لهذا النبأ المزعج واستولت عليه الحيرة والاضطراب، فسأل القنصل عما يجب فعله فقال: "ليس لك إلا أن تبعث العساكر والذخيرة إلى ميدان القتال". قال داود: "وماذا نفعل بجونية، إذا تشتتت قوتنا وتفرق عسكرنا؟". قال: "دع الآن جونية وشأنها، ووجه حالاً مئتي جندي إلى المعاملتين حيث تدور رحى القتال".

وتوالت النجدات من جهة جونية على عسكر الحكومة وهبط المسيو الطاب بالعسكر اللبناني والمتطوعة من أهل غزير. قيل أن هؤلاء كانوا يهزجون باسم كرم خدعة، فاستأنس بهم وظنهم من أصحابه. ولكنه لم يلبث أن عرف أنهم أعداء له، وقد جاؤوا يُقاتلونه فكان يتحاشى قتالهم، ولو نكثوا العهد وخفروا الذمة، لأنهم أبناء وطنه وله بينهم إخوان أعزاء.

وأصيب إذ ذاك إثنين من رجاله الأبطال بل من أكبر قواده المعدودين، وهما الشيخ ميخائيل أبي طربيه من تنورين والشيخ بولس نعمة العشي وهو ابن شقيقتة كتور فذهبا شهيدي الواجب، قالوا إن الشيخ ميخائيل لما أصيب بالرصاص في صدره أراد رفاقه أن يحملوه، فقال لهم اتركوني وانجوا بنفوسكم فإنني سأموت عما قريب.

وعرف الشيخ أمين طليع وكان في جبيل بمقتله فجاء ونقله على بغل إلى تنورين حيث دُفن. وعظم الأمر على كرم وتشاءم من هذه الموقعة التي جرت على غير استعداد منه، ورأى أنه يقاتل في مكان يجهله وبين قوم لا يعرف منهم من هو صديقه وعدوه وكان قد قسم رجاله ثلاثة أقسام هي الجناحان والقلب.

فأخذ الجناحان يتراجعان بنظام، وبقي القلب وفيه كرم الذي ظل واقفاً ينتظر مرور رجاله في ذلك النهر، وكان جارياً يومئذ بسبب أمطار الشتاء، لا يُبالي بالرصاص الذي كان يتساقط عليه إلى أن اجتاز آخر رجل من رجاله.

وبالرغم من توالي نجدات الحكومة وكثرة العساكر التي كانت تحاربه عن ميمنته وميسرته ومن قدامه، فقد تمكن من إنقاذ كتيبته الصغيرة، وسار بها عائداً إلى نهر ابراهيم ومنها إلى زغرتا بطريق البترون. وقد دامت المعركة ساعة ونصف من الساعة ٩ إلى الساعة ١١ قبل الظهر.

أسعد بولس كان في المعركة قال: "وسرنا قاصدين غزير فبلغنا نهر ابراهيم، وهناك عرف الـ"بك" أن المسيو الطاب معلمجي العسكر توجه إلى غزير بعشر فرق، فرأى الـ"بك" أن ينزل من دير مار دوميط حيث بقينا يومين وفيما نحن هناك جاء رجل بشراني من قبل الشيخ أبو شبل يقول: "رجال يا أصحابي، لقد وصل الدراغون". وكان البطرك كتب إلى البك أن يخفف حشده وينتظر الجواب الرسمي للاجتماع مع المتصرف والقنصل والبطرك.

غير أن جماعة ممن لا يحبون الاتفاق هيجوا الشر ودفعوا فرسان الدراغون فنهضوا من المعاملتين إلى طبرجا فلما بلغنا الصوت عن كشافتنا، أمر البك أن أسير أنا وأبو حسون إلى طبرجا لمعاينة النقط، فرأينا الدراغون يتقهقرون، وبطرس توما يصيح بصوته الجهوري فأسكتناه وتتبعنا آثار الدراغون إلى الأكمة، فرأيناهم يقيمون المتاريس عند الدكاكين. ثم أرسلنا دوميط الحقاني ليأتينا بأوامر البك، وكنا العبد الفقير واغناطيوس معوض وسمعان فرنجية وأبو طن أنطونيوس وبشارة كرم وغيرهم. وحذرنا بطرس توما من تحريك الشر، لأن المداولة جارية بالصلح. ولكنه أخذ بطرس نمنوم والكوكو وسار معهما دون إرادتنا، ورأيناهم نازلين إلى الشاطئ فتبادلوا القواس مع الدراغون الذين وجهوا بواريدهم صوبنا فأصبح مركزنا حرجاً. ثم صحنا هجوم، واشتبكنا دون نظام. وكان البك قد أرسل أكثر الرجال من البشرانية وبيت بو صعب ورجال تنورين إلى غزير، وتولى هو قيادة رجاله، إذ لم يبق معه من الإهدنيين من يصلح للقيادة. فركب بمن بقي معه من المشاة والخيالة من المشايخ بيت الضاهر وبيت العازار ومشايخ بلاد البترون وسار حتى بلغ دكان أدما. أما نحن فبقينا منفصلين عنه، وطاردنا العدو حتى اجتزنا نهر المعاملتين. فصحنا برجالنا أن لا يهتموا بالدراغون بل بالعسكر القادم لنجدته، ولكن كنت أنا وسمعان صالح وأربعة رجال فقط، ولو كان عددنا كافيا لأسرنا الدراغون وصدمنا العسكر. ونزل علينا جماعة من أهل غزير فأطلوا على الشمشار، وهم يحدون باسم يوسف بك. ثم أخذوا يطلقون النار علينا، ونحن نهاجم العسكر الشاهاني، فلم يعد لنا مفر إلا من جهة العدو. وخرج فرسان الدراغون لمطاردة رجالنا وأخذوا تلة المعاملتين عرضاً، فخرجنا تحت سيل من رصاص البنادق إلى قمة التلة فوجدنا نفراً من رجالنا فصحنا بهم إلينا فهجموا على الجنود التي كانت تتبعنا فأوقفوها قليلاً، إلا أن العساكر المنظمة كان يلحق بعضها بعضاً والنجدة تأتي تلوالنجدة. مع هذا فقد تمكنا من الثبات فوق تلك التلة قليلاً ثم أخذنا بالانسحاب بنظام، والعدو يطاردنا إلى أن بلغنا بلاطة الغربا.

وكان البك قد أرسل الرجال بقيادة الشيخ ميخائيل أبي طربيه وبطرس غسطين من بشري، فساروا طريق غزير حتى أطلوا على الوادي، والعدو مقابلهم من الجهة الأخرى. فأصيب الشيخ ميخائيل برصاصة في جبهته فتقهقر برجاله ووقف البك عند الجسر واجتاز بعض الرجال، وقد غمرتهم المياه وبقي بانتظارهم إلى أن اجتاز الجميع. ثم أخبرناه أن الشيخ بولس العشي قُتل ولا بد من الرجوع لإحضار الجثة فقال: "إن الرجال ما عادت تنفع". واضطررنا أن نتفق مع بعض الأهلين فدفنوا الجثة، لأننا صرنا في خوف من مداهمة العدو زغرتا، فعجلنا السير راجعين ودخلنا زغرتا ليلاً بعد عذاب ومشقة".

وما كادت تنتهي معركة المعاملتين، حتى سُمع إطلاق نار متواصل في أعالي غزير. وذلك لأن أهل القرى المجاورة، وكانوا من أحلاف كرم، لمّا بلغهم خبر القتال تحمسوا ونهضوا لقتال عسكر الحكومة، ومن هذه القرى غوسطا وعشقوت وعرمون ودلبتا والكفور والجديدة والغينة وشننعير ومار عبدا. فقد وثب أهلها بأجمعهم على العسكر المحافظ حوالي غزير، وهزموه شرّ هزيمة فلما عاد الطاب بعسكره من موقعة المعاملتين، سار لمعاونة العسكر في قتال الشبان الكسروانيين. وحمي وطيس الحرب في مكان بأعلى غزير يُدعى العفص حيث تحصن الأهالي وتراجعوا قليلاً لكثرة العساكر التي تفرغت لقتالهم، وقد استبسلوا في الدفاع عن مركزهم ولم يرتدوا حتى فرغ منهم البارود والرصاص. فتبعهم العدو حتى المضيق العروف بالهد قرب دلبتا حيث تصدى ثلاثة من أهلها وردوا العسكر على أعقابه مذعوراً.

وان فرقة من هذا العسكر وجماعة من العائدين من الموقعة بجونية ساروا إلى شننعير التى كانت خالية، فدخلوها ونهبوها وقتلوا واحداً من أهلها. ودامت موقعة العفص التابعة لموقعة المعاملتين ساعات من الساعة ١١ صباحاً إلى الساعة أربعة. وكان عدد القتلى من الأهالي ٤، واحد من دلبتا و٢ من عشقوت وواحد من غوسطا، وأُسر ٣ من غوسطا وأذيقوا مرّ العذاب حتى توفي أحدهم في السجن وهو عبدالله مناسا وكان عدد الجرحى ٥ وقُتل وجُرح من العسكر ٨ . وقد تباهت الحكومة في تقاريرها بأنها طاردت هؤلاء العصاة وفتكت بهم، وأن رجالها ولا سيما العسكر اللبناني أبلوا بلاءً حسناً. مع أن عسكر الحكومة كان يزيد على ١٥٠٠ جندي عدا المتطوعين من غزير، في حين أن الأهالي لا يزيد عددهم على ٨٠ رجلاً مع قلة ما لديهم من الذخائر.

وكانت تقارير الحكومة مُتناقضة واليك ما جاء فيها: "اصطدمت فرقة من البلغار برجال كرم، ولم تذكر البادئ بالهجوم". وقالت: "ان عدد رجال كرم زاد على ١٣٩٠ والحقيقة انه لم يتجاوز ٥٠٠، وذكرت ان خسائر كرم كانت ٣٠ من القتلى واما الجرحى فعددهم لا يحصى وان الأسرى زادوا على ٣٠ ولم يُصب من عسكر الحكومة سوى بلغاري واحد بجراح خفيفة".

وقد بذل الداوديون جهدهم ليشوهوا وجه الحقيقة ويُسوّدوا صحيفة الكرميين ويهيجوا الرأي عليهم، فقالوا: "ان الكرميين قتلوا درزياً من العسكر الللبناني وحملوا رأسه معهم، وان رجال كرم كانوا مصممين على قتل القائمقام وذبح المُتصرف وأبو خطار (عيد حاتم) وغيرهم مما يُسبب اضطراباً وخراباً في الجبل، اذ ينتهز الباب العالي الفرصة ليسير على لبنان جيشاً لجباً ويذبح النصارى".

وكانوا يعزون هذه الأراجيف كلها إلى مصادر كرمية، والحقيقة أنها من عندياتهم. على أن أصحاب داود لم يسعهم إلا الاعتراف بما أبداه الأتراك من الهمجية حتى أنهم كانوا يخترقون بحرابهم صدور المستأمنين بهم من الأهلين، واعترفوا أيضاً أن الجند بدأ في نهب شننعير عند الساعة ٤ بعد أن أرغم أهلها على إخلائها.

وأسرف العسكره في النهب والتخريب حتى أرغمهم المسيو الطاب على إعادة المنهوب، ولكن الأتراك لم يرضخوا لأوامره ومن المُتناقضات أيضاً أن يدّعى كل من المسيو الطاب والمُتصرف وقنصل فرنسا أن النصر كان بسببه، مع أنه لم يكن ثمة انتصار كما يزعمون وما هو إلا تراجع بسيط رآه كرم لازماً حقناً لدماء أبناء الوطن، بعد أن فقد إثنين من خيرة رجاله.

وفي ١٠ كانون الثاني توّجه داود باشا إلى بيروت، وهو عازم أن يجمع قناصل الدول للمداولة في الخطة التي يجب اتخاذها تجاه الحوادث الحاضرة، وعاد بعد ذلك إلى جونية. وفي ١٧ منه أقبل إلى غزير فلقي فيها استقبالاً حافلاً، واستعرض العسكر اللبناني في ميدان البلدة.

أما الدراغون والقوزاق وسائر العساكر التركية، فقد صار استعراضهم في ١٦ الشهر في قرية "المزار" وتُليت عليهم برقية واردة من الصدر الأعظم باسم السلطان، يُثني فيها على بسالتهم التي أبدوها في موقعتي المعاملتين والعفص٬ مما حرك فيهم عواطف الحماسة واستفزهم للإنتقام من العصاة والثائرين. أما العسكر اللبناني فقد أثنى داود على بسالته ووعد المتطوعة الغزيريين بإعفائهم من الضرائب مدة أربع سنوات.

وتناول الغداء في دير الأباء اليسوعيين، وكان معه أمين باشا البلجيكي الأصل الذي عُين قائداً عاماً للجيش التركي بلبنان. وقد غادر العسكر اللبناني غزير واُقيم مقامه ٤٠٠ عسكري تركي. وتعين الأمير منقد شهاب قائداً للدرك في كسروان، مكافأةً لشجاعته التى أظهرها في قتال أهل الجبل بمعاش ألف قرش شهرياً. وعُين الشيخ خليل حبيش معاوناً للأمير بمعاش ٧٠٠ قرش. وعُين للجاويش راتب وقدره ٥٠٠ قرش.

وقد تألفت هذه الفرقة الجديدة، وعددها ٥٠ جندياً (ظابطي) من أهل حارة الفوقا وهم من حزب داود في غزير. ونال كل كاهن من كهنة هذا الحي ليرتين عثمانيتين، ونال الخوري أنطون حبيش ساعة ذهب قيمتها ألف وثلاثمائة قرش، وعُين الخوري ابراهيم الذى رافق العسكر وقت القتال كاهناً رسمياً لعسكر داود. وبهذه الوسائط ومثلها كان داود باشا يكتسب الأهلين ويُغريهم على القيام معه وبئس الوسائط. وتدخل مطارنة كسروان في طلب العفو عن الأهلين الذين ثاروا على الحكومة من أبنائهم، فصدر عفو عام عنهم. وقد اشترط داود على الثائرين أن يؤدوا للحال الضرائب المفروضة على حساب السبعة آلاف كيس التى أجاز المتصرف لنفسه فرضها بدلاً من الـ ٣٥٠٠ كيس التي فُرضت على الجبل قبلاً. وهذا هوالسبب الذي دعا الأهلين إلى أن يثوروا ثورتهم التى كان روحها يوسف بك، ويظهر أن أهل كسروان اضطروا أن يخضعوا.

رأى كرم أن الجبل بعد الأنظمة الجديدة لم يعد على هيئة عظمته الأول فقام في وجه داود باشا طمعاً لا بوظيفة، وقد عرض عليه الباشا ما يريد فأبى، بل قام دفاعاً عن استقلال لبنان وإشفاقاً من ان يتولى حاكم أجنبي خلافاً للمعتاد من قديم الزمن. وقرر أيضاً أن لا سبيل للتفاهم مع داود باشا وأن لا بد من المقاومة والدفاع عن النفس فجمع رجاله واستعد للطوارئ.

الرجال الذين كانوا مع كرم في موقعة المعاملتين والعفص هم:

الأمير سلمان الحرفوثس – بعلبك / خليل أبي شبل عيسى الخوري – بشري / ميخائيل أبي طربيه - تنورين (قُتل في المعركة) / خطار أبي خطار – عينطورين / بطرس غسطين – بشري / رفول منصور رفول – إجبع / الياس الخوري مارون – مزيارة / جيرايل فشخة – بان / سمعان صالح – كسروان / إغناطيوس فرنجية / يوسف أبي صالح كرم / سمعان البدوي فرنجية / أنطونيوس سمعان كرم / يوسف شكري كرم / أنطونيوس عيسي يمين / بطرس أبو نخل الجعيتاني / بطرس نمنوم / جريج أبو صالح الدويهي / جريج اسحاق معوض / ابراهيم أبو هارون القارح / يوسف زخيا / يوسف الخوري معوض / ميخائيل جبور الخوري سعاده / ساسين غسطين / جريج الشدراوي / سمعان عقل – كسروان / الشيخ حنا حبيش – كسروان / لحود الدبس – كسروان / بطرس توما / أسعد بولس / ضومط الحقاني – كسروان / يوسف نمنوم الكوكو / ديب الزعني- تولا البترون / اغناطيوس بك معوض / أنطونيوس سمعان فرنجية / البدوي حبيب كرم / حنا نصور كرم / سمعان ديب أنيسة / دومط أبو ستوت / ميخائيل كعدو / أنطونيوس الجر الدويهي / يعقوب الدويهي / عبود كعدو / زيتون العم / يوسف الحلبي / أنطونيوس الخواجا / بولس نعمة العشي (قُتل في المعركة) / يوسف سركيس العكاري / عبود يوسف / رزق معوض / بطرس الخوري كعوي / رومانوس اللبيان / أبو أنطون الباشا / أبو طن كرم / بشارة كرم / أبو حسون كرم / يوسف أنطون فرنجية / منصور الزلوعا / يعقوب الصوص / سليمان صوطو / رومانوس دحدح / أنطونيوس يزبك كرم / عبدالله مناسا – غوسطا (قُتل في السجن بعد العذاب)

وتابعهم في الطريق بعض رجال بشري وطورزا والكورة ودار بعشتار والمجدل وعبرين والبترون حتى بلغ عددهم مئة وخمسون نفر وعند وصولهم إلى دير مار دوميط البوار التحقت في صفوفهم من بلدة غزير وغوسطا وعشقوت ودلبتا وعرمون وغير من القرى الكسروانية. وقال الشيخ أسعد بولس: "وقد انضم إلينا جماعة كبيرة من مشايخ بيت أبي صعب ومشايخ بشري وأهلها ومشايخ بيت الضاهر وبيت العازار من الكورة حتى أصبحنا فوق ٥٠٠ نفر.

أما تعليمات كرم العسكرية فكانت بسيطة بالنسبة إلى العلوم العسكرية الحديثة. فقد كان له نظام يُقسم به رجاله عشرات وخمسينات ومئات، ويجعل على قيادتها رجالاً امتازوا بالبسالة والإقدام كبطرس توما وأسعد بولس وسمعان عقل وسمعان صالح وأبو حسون كرم واغناطيوس بك معوض وأبو طن وغيرهم من الرجال الأشداء. ويختار بعضهم لفرع من الفروع العسكرية فهذا للقيادة وذاك للخفارة وأولئك للاستكشاف. وربما اضطر إلى الاستعانة بالمرأة، والمرأة الإهدنية اشتهرت بالشجاعة والاقتدار. فكان بعض الفتيات الباسلات يحملن البيارق ويعاونّ الرجال في إعداد الذخائر الحربية والعناية بالجرحى وتشجيع الرجال بأقوالهن وأناشيدهن الحماسية.

شارك