ثورة يوسف بك كرم

عاد داود باشا إلى لبنان ومعه العساكر العثمانية من صنف الدراغون والقوزاق ووجهتهم الدولة إلى الشواطئ اللبنانية. وعند وصوله أمر بنقل مركز المتصرفية إلى جونية بالقرب من بكركي لإتهامه البطريرك بولس مسعد بمولاة يوسف بك كرم. وعلم الـ "بك" بذلك فحشد جمهوراً غفيراً من الشمال وجاء بهم قاصداً إفهام داود باشا بأنه لا يكترث به وأن الأفضل له المسالمة.

أمن العدل أن يُضاعف داود باشا الأموال الأميرية على اللبنانيين ويجعل مجموعها سبعة آلاف كيس؟ إثر تلك المذابح٬ حُرمت ألوف العيال من رجالها، وأثر ذلك الدمار وذلك النهب، وشُلّت حركة الصناعة والتجارة والزراعة في لبنان.

أمن العدل أن تُضاعف الأموال الأميرية في الوقت الذي يئن فيه الموارنة من تأجيل دفع التعويضات المتوجبة لهم بسبب المذابح؟ فأين تلك الظروف التي نصت عليها المادة ١٦ من نظام لبنان؟ وهل أن الشروط التي تُجيز زيادة الضرائب كانت متوفرة وقتئذ؟ ذلك خطأ فادح اقترفه داود باشا في عهد ولايته على لبنان. ان اللبنانيين الموارنة اجتمعوا على زيادة الضرائب غير المشروعة. أرسل داود باشا جيشه النظامي إلى كسروان. إن نسيب كرم الشيخ واكيم باخوس هو شقيق الشيخ أنطون بك باخوس زوج الست طروز شقيقة يوسف بك كرم من غزير قد قبضت الحكومة عليه وعلى يوسف منصور العضيمي من غزير وجرجي البواري وأخيه وغيرهم وأُودعوا السجن بحجة أنهم أبوا تأدية الضرائب لداود باشا الذي كان همّه مصروفاً إلى جمع المرتّبات الأميرية ويُشدّد في تحصيلها. وكانت المواسم ماحلة جداً والعسر شديداً في الجبل تلك السنة، وهو يريد زيادة الضرائب فوق المال المقنن الذي حدّده النظام. فضج اللبنانيون بالشكوى وبلغ صراخ المساكين عنان الجو. فكان جواب صراخهم صيحة من عسكر القوزاق الذي أدخلهم داود باشا إلى لبنان. فاحتج جماعة من أعيان البلاد على هذه المظالم وبينهم الشيخ واكيم باخوس. فكان أن الحكومة ألقتهم في ظلمة السجون، وبلغ هذا الخبر يوسف بك وعرف أن داود يريد تهييجه، والتحرش به فكتب أولاً يقول له: "إن كان المقصود من اعتقال نسيبي تحصيل الأموال الأميرية، فإنه يتعهد بتأديتها، والا فالقانون يقضي بمحاكمته واطلاق سراحه".

أما عُمّال فرنسا الذين لم يظهروا لكرم من قبل لطفاً ولا إنصافاً في قضيته، فقد خالفوا ذلك هذه المرة، حتى دُهِش كرم عندما وردته التهاني من قبل "المسيو ديزسار" قنصل فرنسا على فوزه الذي ناله في هذه الحوادث. غير أن القنصل بعد أن تبيّن العمل الخطير الذي قادت الظروف يوسف بك إليه في غياب المتصرف، خشي أن اسم هذا الزعيم الذي عاد إلى الظهور، ولم يفقد شيئاً من صولته وميل القلوب إليه٬ أن يخمر خمير الثورة، التي كانت كامنة كالنار تحت الرماد. فرأى ضرورة عقد اتفاق يعرف رسمياً بين كرم وداود. فكان يوسف بك يحتج على هذه الفكرة، والقنصل يحاول إقناعه زاعماً أنه يُقدم له النصائح العائدة لمصلحته غير أن ذلك كله لم يكن ليؤثر فيه٬ وبقي ثابتاً على عزمه. ولم يكن له مطمع من الحياة سوى أن يعيش عيشة راضية قانعة. وكان يرى السعادة في عمل الخير إلى من حوله وخدمة الجمهور. وكأنه قد ألقى على ما بينه وبين داود ستار النسيان، كما كتب يومئذ قائلأ: "إن مسألته نائمة نومأً عميقاً".

وبينما كان يُخيّل إلى الناس أن المسألة تبقى نائمة والفتنة لا يوقظها أحد، إذا بداود عائد من الآستانة ومعه عسكر من القوزاق، فكان اللبنانيون ينظرون شراً إلى هذا الحرس التركي ويتساءلون عما إذا كان يصير استخدام هؤلاء الخيالة مكان العسكر الوطني. وكانت هذه الفكرة وحدها كافية لإثارة ساكن الانفعالات في النفوس. ورَوى المؤرخ الوطني الشيخ بولس مسعد في كتاب دليل لبنان: "إن قنصل فرنسا فاوض البطريركية المارونية في ذاك الوقت بأمر التوسط بين كرم وداود، بعد حدوث ذلك الغليان في الجبل. فأوعز السيد البطريرك إلى كرم بأن يخلد إلى السكينة، ريثما يجتبمع بداود ويحسم الخلاف القائم بينهما على صورة تنطبق على مصلحة البلاد. وبعد قليل اجتمع البطريرك بداود في دير اللويزة ليبقى الأمر مكتوماً.

لكن هذه المقابلة لم تسفر عن نتيجة مرضية، لأن داود مع رغبته بفض الإشكال لم يكن يرضى أن يُرد له مطلب. وكان يظن أنه إنما اجتمع بالبطريرك ليُملي عليه تعليماته ويكاشفه بما أن يرغب فيه من خضوع كرم له بلا قيد ولا شرط. فما كاد يقع نظره على غبطته حتى بادره بهذه العبارة: "أما حان لنا أن ننتهي من هذا الرجل الثائر القلق؟ (وهو يعني كرماً)" .فأجابه البطريرك بكل هدوء: "نحن لم نجتمع هنا للتقريع وتوسيع الخرق، بل للتوفيق بين الإثنين على وجه يجمع بين حفظ كرامة الحاكم وضمان حقوق المحكوم". فغضب لجواب غبطته وخرج من القاعة، وأمائر الغيظ على وجهه، ودخل غرفة كانت أعدت لنزوله فساء عمله هذا غبطته وخرج لساعته، ثم ركب بغلته وعاد إلى بكركي نادماً على مجاراة القنصل إلى هذا الحد. وبعث يخبره بما جرى له مع داود ونفض يده متنصلاً من تبعة ما يجره عناد المتصرف من الويلات عليه وعلى البلاد. أما داود فإنه عاد إلى مقره وأخذ يعمل على نكاية البطريرك، وبلغ به الحنق إلى حد أنه كان يجول في بعض قرى جرود كسروان وهو يحمل صولجاناً بيده وعلى صدره صليب من ذهب، وهما من مميزات رؤساء الدين، امتهاناً للبطريرك.