من يوسف بك كرم الى المطران يوسف الدبس عن الآستانة

"...إنكم تعاتبوننا على تداخلنا بما تفترضونه لا يعنينا ويكدر خواطر اولياء الامور إلخ. نعم لست بطركا ً ولا مطراناً ، ولو كنت أحدهما لكان الخير الذي يصدر عن وجودي في العالم يعوض عن الخير الوجيز الذي أرجو ان يحصل من سعيي الذي لأجله لا أحسب الصعوبات حتى الموت شيئاً . وقولكم ان تعرضي يضر بدل الخير المقصود. قد يمكن ذلك ولكن المرء ان يسعى ويبذل جهده وليس عليه أن يساعده الدهر. فعلينا أن نسعى والنتيجة عائدة لله وحده وقلتم أن هذا العمل ربما لا يسر رومية وهذا لا يهم ولدكم. لأن خضوعي للكنيسة المقدسة الرومانية مؤسس على حقائق فائقة الطبع ولا يتوقف على مسرة البشر واستيائهم ، حتى إنه مهما أبدت نحوي الكنيسة من الاستياء فبعونه تعالى لا يؤخرني ذلك عن حفظ خضوعي لأوامرها الدينية، ورضاها عني لا يزيدني خضوعا ص بل بينما أولياء امورنا الروحية والزمنية يحاولون سلبنا حقوقنا الادبية،فليس من شعب أحط منا ، إذا قبلنا ذلك بالرضى والسكوت ورؤساء طائفتنا لا يمكنهم السكوت دون ثلم حقوقهم . غير انه إذا سمعت رومية بعض البراهين العالة لا يكون من وراء ذلك ادنى ضرر . أما انا فأحب أن اكابد الأضرار وأرى من واجبي الدخول في هذا الميدان ولا اخفي أسفي من السياسة التي أباحت أخذ كنائس من يوقرون الكنيسة البطرسية ، وأنا أتأسف على هذه " البلة" التي لم تبق ِ على اصطلاحاتنا الشرقية التي تركها لنا الله ما عدا ما يصدر عنه خطيئة . فلو علمتم سيادتكم كم بذلت من الجهد يوم كنت في رومية لتوقيف هذه البَلة الموجهة الى الطوائف الشرقية لستغربتم قولي على ان اللوم يوجه دائما ً علي. حتى ممن يغارون على مصلحتي كسيادتكم . وإنني لا أعلق شيئاً من النفع على اكتساب ميل كبار العالم ، بل أرى ذلك سبباً لسقوطنا وتعرينا من حقوقنا.

وإن وجودي في لبنان أو في العالم او عدمه على حد ٍ سواء. ولهذا فإنني أفضل تلقي الاضطراري على سكوتي الاختياري وقد كتبت للمرحوم الكردينال برنابو: إن مجيء المونسينيور فرنكي الى الآستانة ليتعاطى مع الحكومة فصل الخلاف بين الأرمن يكون سببا ً لسقوط كاثوليك الشرق كلهم، ويتمم رغبة الحكومة التي تحاول منذ قرون تسمية بطاركة الكاثوليك ومطارنتهم كما تفعل مع غير الكاثوليك والموارنة لم يتمكنوا أن يحموا حريتهم الدينية الى الآن إلا لسبب تقرير اصطلاحاتهم الكنسية بحسب مجمعهم اللبناني وبسبب ما كان لهم من الاستقلال( الزمني) فالآن بعد فقدان ما لهم من حقوق الاستقلال إذا فقدوا أيضا ً اصطلاحاتهم الكنسية صاروا فريسة لخصوم الدين الكاثوليكي. ولما كنت لا أدري المنافع التي لرومية من أخذ حق الموارنة في انتخاب رؤسائهم وتسليمه بيدها لحكومة تكره المذهب الكاثوليكي. فينبغي أن أحقق لنيافتكم أننا نحن الموارنة لسنا كاثوليكا ً إلا بنعمة سيدنا يسوع  المسيح وخالص حريتنا. وأنه إذا وجدنا فوقنا سيف حكومة تسوقنا بأعمالنا المذهبية . وقد عرضت للأب الأقدس خطأ  أنه: كما أن الطبع الإلهي والطبع البشري قد اتحدا بسيدنا يسوع المسيح من غير ان يختلطا او يستحيلا الى طبع واحد . هكذا يتوقف نجاح سلطتي قداسة الحبر الأعظم الروحية والزمنية على اتحادهما الخالص من كل اختلاط . وعندما وجهت ابن اخي بطرس الى الآستانة وجب أن يحضر لالتماس البركة الرسولية قبل سفره فتنازل قداسته وبلغه هذه العبارة " إن عمك مصيب في قوله لكنها الأحوال الحاضرة لا تسمح باتمام هذه الرغبة ". ثم اغتنمت بعد  ذلك بركة قداسته جملة مرات ولم أتمكن لازدحام الناس من ان اعرض له شيئاً يتعلق بموقفنا في الشرق غير أنه جرت مفاوضات بهذه المواضيع وأهم منها بيني وبين الكرادلة واسفت لأن السياسة التي يريد بعض أمراء الكنيسة أن يتمشوا عليها غير صريحة نحوي ونحو أمثالي فما رأي سيادتكم؟  هل نقف متفرجين على فقدان حقوقنا الأدبية الثابتة؟ سيدي الجليل يلزمنا أن نسأل الله أن يعفو عن شعبه وأن نحب الحق لأجل الحق ،وخيرنا الأعلى هو ان نموت في سبيل الحق . ومع ذلك أطمنكم أن القسم الأول من الرسالة المعلومة، وغن لم يصر طبعه حتى الآن فقد كان وقعه الجميل وجلب رضى الحكومة  وتأييد البابا وصداقة الارمن وقد وسعته عن اصله، وذلك لأن الحكومة بعد ان رفضت توسط سفير فرنسا تهددت الكاثوليك كافة بالتسركل وبضبط الكنائس والمعاهد والأوقاف والمنافع العمومية وتسليمها للأخصام . فبعد اعتمادي على الشرائع الأدبية السلطانية واستعدادي لكي اكون اول المقتولين أو المتسركلين لأجل المحاماة عن مبدا ٍ راحة الذمممما شجع الارمن ولين افكار المضادين وروق أفكار الحكومة ، لأن صورة الرسالة وإن لم تطبع، اتصلت الى الوزراء والسفراء ونائب الحبر الأعظم والأرمن الذين كادوا أن يتصالحوا . فأظهر نائب الحبر الأعظم تعطفاته الابوية وسفير فرنسا استمالة فائقة العادة. فسامحوني على هذا الإسهاب الذي اجبرني عليه راحة ضمير سيادتكم لجهتي وعلى كل الأحوال ليس لنا أن نحزن على الذين يموتون منا على طريق الخير".

١٣ حزيران ١٨٧٤

يوسف كرم

شارك