رسالة من يوسف بك كرم الى والدته

حضرة والدتنا المحترمة

غب لثم أيديك والتماس رضاك، قد وصل تحريرك وحمدته تعالى لسلامتك.
ثم بلغني بأنك متكدرة وأحياناً تهمّين بالحضور لعندنا الى الآستانة، فقد صعب علينا ذلك أكثر جداً من كل ما توقع. وكنا نعهد عندك التسليم الكلي لكلما يريده الله سبحانه، فكيف تتنازلين عن كرامتك المقدسة وتهينين ذاتك فيما تظهرينه من الكدر؟ فينبغي أن تعلمي بأن الموت والحياة بيد الله سبحانه، وأن قصبة لا يحركها الريح دون إرادته العالية. فيلزم أن تشكري الله دائماً وتباركي الوسائط التي سببت حضوري للآستانة، لأن الذي استخدمها هو الله وحده. فإن أراد بعد ذلك أن أرجع الى جبل لبنان أم أن أزداد ابتعاداً عنه أو أموت أو أن تطول أيام حياتي، فهذا كله من حقوقه تعالى.

انه خلقني بواسطتك، لأجل اكتمال غايته الإلهية، لا لأجل اكتمال مرغوباتك الدنيوية. وهل ترين أحسن من اكتمال إرادة الخالق في كل شيء، وقد أوصانا بأن نعتني بنفوسنا بالصبر ولا نخاف ممن يقتلون الجسد، وليس لهم أن يفعلوا أكثر، فنحن إذا متنا لا نموت بل نتغير بسرعة كطرفة العين، فلي حظ أسعد من حظ الذي يموت لأجل الله والحق. دعي أهل العالم بفتخرون بأعمال العالم، وإنما أنتِ احفظي قواعد الإيمان لأني لا أريد أن أطمئنك بالوسائط البشرية بل أطمئنك تطميناً أكيداً، وهو أنه تعالى يفعل ما يشاء ويريد وليس غيره، وكرامته لا يعطيها لغيره وسلطانه لا يسلمه للناس، وليس أحد يستطيع أن يخطف من يده شيئاً، بل هم يتسابقون على إتمام مرغوبهم، وهو يضحك عليهم ويستهزىء بهم. فكوني من حزبه دائماً ومن الذين يقبلون كل حادثة بالشكر والتسليم والفرح باكتمال إرادته. والعظيم هو المتكل على الله، إذا مات له الحياة الدائمة. إنما المتكل على ذاته فحياته الحاضرة موت له. ودعي كل إنسان يتكلم ويفعل كما يريد، أما أنت فافرحي لأن الله موجود في السماء والأرض، وهو صالح وغفور وقادر على كل شيء. ولا نطلب بأن يصنع لنا إرادتنا، بل أن يصنع بنا كإرادته. فإذا أردنا أن تكمل إرادته حقاً، لا نحزن بوجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب، لأن إرادته تكمل في كل شيء. فإن كنت ترغبين خيري، اطلبي لي من الله أن أموت بإرادته ولا أحيا بإرادتي وإرادتك أيضاً، لأنه إذا سلمنا لكلما نحن نريده، نسلم ذواتنا للهلاك، أما إذا سلمنا ذواتنا لإرادته، نستلم الحياة الأبدية والسرور الزمني، والحوادث الدنيوية تخدمنا، وكل كيد أخصامنا يستحيل إلى خيرنا. فاغتنمي فرصة الإشفاع وباركي على من يضطهدك، ولا ترغبي مشاهدتي بأعين الجسد التي هي من التراب، بل انظريني دائماً موجود بين يدي الله الضابط الكل.

وبكل دقيقة نشاهد بعضنا بعضاً ببصيرة الإيمان القويم. ونشكره تعالى على كل إحسانه، لأنه هو الذي ينصرنا على الشيطان والجسد والعالم ولا يعوزنا شيء.

وبما أنني أعهد حسن تقواك وتسليمك لإرادته تعالى، اقتضى أن أذكرك بهذه المبادىء لكي تستحصلي غاية السرور والتسليم لإرادة من له السماء والأرض، ولا عدتِ تدعي أفكارك تتعرقل بتصورات الذي يجهلون الإيمان القويم ودمتم.

ولدك
يوسف كرم

شارك