تاريخ العائلة

نبوغ الأسر المارونية

لا يخفى أن تضعضع أحوال المقدمين، وامتداد اليد الأجنبية إلى بلاد الموارنة كانا سبباً في نبوغ أفراد من رجالهم٬ توصلوا بذكائهم واقتدارهم وصدقهم إلى أن يتقربوا من حكام لبنان وسوريا ويتولوا عندهم تدبير الأمور مما عزز شأن طاثفتهم وصان حقوقها، حتى بلغ بعضهم أن يتولى الأحكام في الاقطاعات الشمالية والجنوبية أيضأ وهؤلاء الأفراد هم أصل الأسر الوجيهة في الطائفة المارونية التي نبغت بعد المقدمين وكان لها شأن مذكور في تاريخ لبنان وهذا لطف من الباري وتدبير من العناية الإلهية. وأن تقرب نوابغ الموارنة من الحكام والولاة المسلمين كان حكمة منهم اضطرتهم إليها أحوال ذلك العصر. فإنهم بعد أن انحط شأن المقدمين وأعيتهم الحيلة في جمع كلمة اللبنانيين لرفع شأن البلاد، رأوا أن يتقربوا من الحكام الأجانب استمداداً للقوة التي كانت في يدهم وتلافيا لما كان يحل بابناء طائفتهم من الجور والاعتساف على ان هؤلاء الولاة الغاشمين كانوا يفتحون آذانهم لسعايات الحاسدين ومفاسد المبغضين فكلما نبغ فرد من موارنة لبنان تسببوا بقتله وكان آخر الدواء عندهم الكيّ يعرضون عليه الإسلام فإن أبى قتلوه بلا رحمة ومن هذه الأسر آل كرم الذين نبغ منهم بطل لبنان يوسف بك كرم.
الى الأعلى

أصل بني كرم

وأصل هذه الأسرة الكريمة يرتقي على ما هو محفوظ عندها من التقاليد إلى قائد (كولونيل) فرنسي من قواد الصليبيين الذين قدموا من أوروبا في أوائل القرن الثاني عشر لاستخلاص الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين وتأمين زيارة القدس لحجاج النصارى الذين كان حكام المسلمين يتعرضون لهم ويسومونهم الخسف والعذاب وقد أقام الصليبيون في الشرق السنين الطوال حاربوا في خلالها وفازوا في عدة وقائع ثم غلبوا على أمرهم ورحلوا عن هذه البلاد في أواخر القرن الثاني عشر. ويؤكد المؤرخين أن بقية من هؤلاء الغزاة في لبنان امتزجت بسكانه النصارى ولم يعد يُعرف من أمرها سوى ما تتناقله الأسر المنسوبة إليها من التقاليد والأخبار المرويَّة. ومن البيوتات التي تنتسب إلى الصليبيين بيت الزعني وبيت البرنس وبيت فرنجية وبيت طربيه وبيت كرم. على أن حقيقة هذا النسب ذهبت عنا أخباره لطول العهد وغموض التاريخ وضياع كثير من الأوراق والآثار كما تحققه الباحثون عن أحوال الأسر اللبنانية ولا يخفى على العارفين. ويروي بنو كرم أن جدهم القائد الفرنسوي كان حاكم اقطاعة من اقطاعات القدس يقيم في بلدة تدعى "جباع" وأنه بعد أن قام زماناً في تلك النواحي رحل أحد أحفاده إلى لبنان وسكن إهدن. بيد أن بعض المؤرخين يذهب إلى أن آل كرم من سكان لبنان الأصليين ومن قدماء الموارنة وحفدة المردة الذين حموا لبنان بسيوفهم وتفانوا هم وأعقابهم في سبيل استقلاله والمحافظة على قوميتهم من قديم الدهر على أنه من المعلوم أن بقايا الصليبيين امتزجوا بسكان لبنان امتزاج الماء بالراح فصاروا على طول العهد منهم. ومهما يكن من الأمر فإن الأسرة الكرمية من أعرق الأسر اللبنانية وقد امتاز أبناؤها دائما بكرمهم وعزة نفوسهم وجمعوا النخوة والمروءة والشرف والدين وحب الوطن حتى أنه لم تكن نهضة في بلاد الشمال إلا وكانوا في مقدمة الناهضين وحسبهم شرفاً أن أشهرهم يوسف بك كرم أول من جاهر في العصر الأخير بالوطنية الحق فرفع منارها بين قومه وضحى ماله في سبيلها فصار بذلك بطل لبنان وفخره.
الى الأعلى

أبو كرم

وأول من عرفناه من مشاهير هذه الأسرة جدهم المعروف بـ "أبي كرم" نشأ في أوائل القرن السابع عشر والأمير فخر الدين المعني في إبّان مجده وسؤدده وكان موصوفا بالكرم والسماحة فتغلب عليه هذا اللقب وطابق الاسم المسمّى ولما قصد الأمير فخر الدين الاستيلاء على طرابلس الشام حشد جيشاً سار به إلى بعلبك ثم إلى الجبة وكانت هذه الغزوة على الأرجح سنة ١٦٢٤ وإذ مر بعسكره في إهدن تلقاه "أبو كرم" وهو على ما وصفناه من السماحة والاقدام فصفّ رجاله على جانبي الطريق التي تبتدئ من عين القنيطرة على مسافة ربع ساعة من إهدن شرقاً إلى عين الوحش الواقعة على بعد نصف ساعة غرباً ووقفوا يحملون أطباق الطعام ومرّ العسكر بين صفين من الرجال فكان يأخذ كل واحد منهم حاجته من الطعام ويسير. قالوا وكان عدد العسكر نحواً من اثني عشر ألف جندي أما الأمير وحاشيته فتناولوا الغداء على مائدة "أبي كرم". ولا غرابة في ذلك فإن السماحة خلقٌ في الشرقيين يفاخرون بها غيرهم من الأمم فيتباهون بحسن الضيافة التي عُرفوا بها وصارت سجية من سجاياهم لا سيما عندما كانوا أقرب إلى البداوة. بل إن الحضارة والتمدن العصري لم ينزعا منهم عادة الكرم حتى ذهبت ضيافتهم مثلاً بين أمم الغرب فيقولون الضيافة الشرقية وفي تاريخ اللبنانيين أمثلة كثيرة على تنافسهم بالضيافة والكرم. على أنه لا يخفى أن ضيافة أمير كالأمير فخر الدين وجيش كجيشه أمر لا يقوم به إلا رجل كبير كأبي كرم٬ نال الوجاهة بكرمه وبسيفه معاً. وسار الجيش إلى طرابلس وظل الأمير وبطانته في منزل "أبي كرم" إلى أن عاد الخبر إليه بعد قليل بلسان عسكره الذى كان منتشراً من إهدن إلى طرابلس بان المدينة سلّمت فدخلوها من باب التبانة وانصرف الأمير بطريق القلمون عائداً إلى دير القمر مقر حكمه وقبل مبارحته إهدن ولّى "أبا كرم" حكم جبة بشري بكاملها. قال يوسف بك كرم في مذكرته الرسمية التى رفعها إلى الكنيسة المقدسة والدولة الفرنسية وقد تابعه على قوله هذا الجنرال ديكرو في مذكراته المخطوطة ما معناه: "أن ثبات الموارنة بمحاماتهم عن لبنانهم العزيز قد جعل السلاطين العثمانيين أن يعقدوا معهم نوعاً من المعاهدة والصلح وقد عهدت حكومة لبنان إلى أسرة مسلمة تعرف ببيت "معن" كانت تؤدي للسلطان مالاً مقنناً وتركت للموارنة سياسة بلادهم الادارية تحت حكم أمرائهم الذين تولوا الأمور بحكمة وخاصة على عهد الأمير فخر الدين الثاني الذى وُشِيَ به أنه يريد الاستقلال التام فأثار عليه السلطان حرباً عواناً وأتى به إلى الأستانة وقتله فاغتنم الأتراك الفرصة السانحة وأحاطوا بلبنان ليذبحوا أهله النصارى. "وكان جدي أبو كرم حاكماً يومئذ اقطاعة إهدن وكان له التقدم والنفوذ بين الموارنة الذين تولى قيادتهم فالجأ الأتراك إلى التقهقر بعد مواقع دامية فطلب هؤلاء نجدة من الأستانة التى أوفدت إلى طرابلس جيشاً كبيراً بقيادة قائد (سر عسكر) من قوادها ولما كان جدي يرغب ان يقي الموارنة ويلات الحرب فاوض القائد بأمر التسليم على شريطة أن يكف العسكر العثماني عن قتال الموارنة فقبل القائد بهذا الشرط ووقعه وحضر جدي إلى طرابلس وما كاد يقابل السر عسكر حتى عرض عليه أن يعتنق الدين الإسلامي واعداً إياه مقابلة لذلك بان يعهد إليه حكومة لبنان كله فكان هذا الطلب جارحاً لهذا البطل المسيحي فأبى قبوله تكراراً وإذ ذاك أنزل به الأتراك صنوف العذاب وقضى عليه بالموت قتلاً في تلك المدينة". ولقد تبين مما ذكرناه من أخبار الموارنة أنهم كانوا ينازعون الدهر ويغالبون الأيام حرصاً على حريتهم فيفوزون مرةً ويُغلبون على أمرهم مرّة أخرى وكان يزاحمهم على ولاية جبة بشري بعض الأجانب ولم يبق لهم من سبيل لنيل غايتهم سوى سرب لدى ولاة طرابلس وكان أن أبا كرم بعد أن تولى حكم الجبة أيام فخر الدين المعني وقُتل غيلة في طرابلس تولى الأمور بعده رجلان من أعيان اهدن وهما الشيخ أبو جبرائيل يوسف وأخوه الشدياق أبو ذيب حنا وربما كان لأبي كرم علاقة نسب بهما لأنه صار تعيين خلف لهما الشيخ أبا كرم بشاره الإهدني نسيب أبي كرم السابق ذكره وهما من أجداد آل كرم القدماء.
الى الأعلى

كرم بن صهيون – أبو كرم بشارة

أما أبو كرم بشاره هذا فقد كان من مشايخ الموارنة وأعيانهم في القرن السابع عشر. وكان نافذ الكلمة عند إبراهيم آغا معتمد حسن باشا والي طرابلس. فوّلاه (١٦٧٦) بإشارة معتمده على جبّة بشري. وورد ذكره في بعض الكتب المخطوطة يومئذ على هذه الصورة: "في ٢٨ آب سنة ١٦٧٤ كان آغا في إهدن. وكان متكلماً قدّامه الشيخ كرم بن صهيون الهدناني" والذي أراه أن الشيخ كرم هذا هو ابن كرم جد الكرميين. وما كاد يستتب الأمر لهذا الشيخ حتى تولّى على طرابلس محمد باشا الذي رفع الاضطهاد عن بيت حمادة وأرجع إليهم إقطاعاتهم. وولّى الشيخ أحمد عيادة نفسه حكم الجبة. والظاهر أن هذا الشيخ أراد هذه المرّة أن يستبد في الرعاية ويخلف الشرط الذي اشترطه أهل الجبة عليه حين راضوا بولايته عليهم وهو أن لا يتعرَّض لهم بأمور ثلاثة "الدين والعرض والدم" فعارضه البطريرك اسطفانوس الدويهي أشد المعارضة. وبسبب ذلك هجر الجة ولجأ الى الأمير ملحم المعني وأقام في مجد العوش (١٦٨٣) التي كان أقام فيها زماناً البطريرك يوحنا مخلوف الإهدني لائذاً بالأمير فخر الدين فراراً من المظالم. وحلّ بين أبنائه الموارنة الذين ابتاعوا هذه القرية من المعنيين بعد أن تركها المسلمون لفتنة وقعت بينهم. وقد أقام الدويهي في مجدل معوش سنتين فأرسل إليه الحماديون وفداً برسائل الخضوع فعاد إلى كرسيه في جبَّة بشري بكل إكرام.
الى الأعلى

ميخائيل بن نحلوس

وكان المشايخ آل حمادة وقد تولوا الاقطاعات الشمالية وعُزلوا أو طُردوا منها ثم أقَّرهم محمد باشا والي طرابيس (١٦٩١) على اقطاعاتهم. ولكن لم تمض سنة واحدة حتى جاء علي باشا والياً على هذه الولايات فعزلهم وولّى على الزاوية والجبة معاً الشيخ ميخائيل بن نحلوس الإهدني ابن أخت أبي كرم بشاره. ويظهر أن الولاية على الجبة أصبحت محصورة تقريباً بإهدن وخاصة بآل كرم. وكان الشيخ ميخائيل من الأبطال المشهورين. والراجح أن زغرتا كانت من أملاك الإهدنيين قبل ذلك العهد ولكن المتاولة كانوا ينازعونهم الولاية عليها فتمكنوا منها اخيراً على يد ّ "ابن نحلوس" وصارت ملكاً لهم دون منازع. وكان هذا البطل نازلاً ذات يوم في برج سير من أعمال الضنية وقد طلب إليه الوزير تحصيل الأموال الأميرية. وكان يحبه ويساعده على خضد شوكة المتاولة الذين كانوا يعيثون في البلاد فكمن له رجل منهم يدعى "ابن الشقراني" واغتاله سنة ١٧٠٤. وعادت الولاية على الجبة إلى بيت حمادة فكثرت المظالم وزادت الضرائب واشتد الضيق على الأهلين.
الى الأعلى

الجلاء الى عكار

وقد تقوّى المتاولة على بني كرم فلم يسعهم البقاء فرحلوا إلى بلاد عكار وأقاموا في قرية تدعى "الشيخ طابا" حيث لبثوا فيها مدة أربعين سنة. وتمكنت لذلك الصداقة بينهم وبين آل مرعب. وتوفي هناك من بني كرم كاهن اسمه ميخائيل أبو عون ابن أبي كرم (١٧١١) بمدينة "عرقة" ودُفن بمقبرة كنيسة مرت مورا قرب قرية "بفرزلا" وتوفي أيضاً الخوري صهيون كرم في شهر آذار سنة ١٧٢٣. والظاهر أن المتاولة عند رجوعهم إلى حكم الجبَّة هذه المرّة كانوا أشرس منهم في المرّة الأولى بعد جلاء بني كرم الذين كانوا آفة على هؤلاء المتاولة. وقد توصل كبيرهم الشيخ عيسى حمادة أن يعتدي على كرامة البطريرك اسطفان الدويهي الذي جاء بنو الخازن برجالهم إلى الجبّة ليثأروا له مما حمل المتاولة أن يلجأوا إليه للنجاة منهم. وقد سلكوا بعد ذلك في الرعية مسلك العدل والانصاف مع المحافظة على استقلال الموارنة في أمور الدين والعرض والدم فملك السلام والأمن في ربوعهم كل هذه المدة. ولكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا طباعهم من حيث الاستبداد والجور مدة طويلة بل عكف أولادهم من بعدهم منذ سنة ١٧٥٠ على الظلم والاعتساف والسلب والنهب والقتل. وكانت المدة بين سنة ١٧٥٠ و ١٧٥٩ أيام ظلم وقلق البلاد حتى سلبت راحة الأهلين وتعكر صفو عيشهم وقُتل منهم كثيرون. وقد تآمر هؤلاء الظلّام على قتل مشايخ القرى المشهورين تلك الأيام وهم المشايخ جرجس بولس الدويهي من اهدن وعيسى الخوري وحنا ضاهر كيروز من بشري وأبو سليمان عواد من حصرون وأبو يوسف الياس من كفرصغاب وأبو خطار من عينطورين وأبو ضاهر من حدشيت. ولكنهم لم يتمكنوا إلا من قتل الشيخ أبي ضاهر هذا واغتالوا كثيرين من وجوه القوم حتى حملتهم الجسارة على أن يرسلوا فيقبضوا على المطران يواكيم يمين من اهدن.
الى الأعلى

عودة الكرميين

وكان بنو كرم قد عادوا إلى بلدتهم إهدن بعد أن مضى عليهم أربعون سنة في عكار ووجدوا أن أملاكهم قد استولى على بعضها الأهلون ووضع المتاولة يدهم على البعض الآخر. فأعاد عليهم الإهدنيون ما استولوا عليه وسعوا لدى المتاولة في إعادة ما بين أيديهم. وكان للكرميين مطحنة على ضفاف نهر رشعين تُعرف بطا حون أبي كرم أخذها المتاولة في غيابهم فأعادوها عليهم بشرط أن يدفعوا لهم ٥٠ قرشاً فباعوا من نحاسهم وحلى نسائهم ما استردوا به هذه المطحنة.
الى الأعلى

الثورة على المتاولة

وأخذ بنو كرم بعد ذلك يلمون شعثهم ويصلحون أمورهم حتى كانت الثورة على المتاولة. لأن أهل جبة بشري لم يعد بإمكانهم أن يطيقوا هذا الجور ويحملوا ذلك العار. وقد كان بدء الثورة في إهدن فتصدى رجالهم لرجال المتاولة الآتين للقبض على المطران يمين وأوقدوا عليهم النار ثم اعملوا فيهم السيف وما زالوا يطاردونهم إلى درج قنوبين. وغصت اهدن بالآتين اليها من سائر القرى فقدّس المطران في كنيسة القديس جرجس بإهدن وحلف الحضور يمين الأمانة ثم أقاموا مشايخ القرى حكاماً عليهم مكان مشايخ المتاولة وأبقوا قسمة قرى البلاد كما كانت عليه في أيامهم. واتفقوا مع والي طرابلس على دفع المرتبات الأميرية وكان ذلك سنة ١٧٥٦. ثم إن هؤلاء المشايخ عينوا رجالاً من أهل البلاد لأجل المحافظة وأقاموا ثلاثة بكباشية يتولون قيادتهم وهم بشاره كرم من إهدن وأبو ضاهر الفرز من بشري وأبو الياس العفريت من حصرون وكان عثمان باشا والي طرابلس يشجعهم ويساعدهم على كبت المتاولة لكثرة تعدياتهم في الزاوية وحدود طرابلس. ولما كانت سنة ١٧٦١ هجم المتاولة على بشري من جهات بعلبك على حين غرة فقتلوا ونهبوا ثم أعادوا الكرة من بعلبك وجبيل بألف رجل وانتشب القتال بينهم وبين مشايخ الجبة في أرض بشري وبعد ثماني ساعات كسر هؤلاء رجال المتاولة وقتلوا منهم اثني عشر رجل. وجاءت سنة ١٧٦٣ فصيّر عليهم والي طرابلس عسكراً إلى جبّة المنيطرة وقسّمه قسمين قسم أرسله على طريق الجبل وعليه بشاره كرم البكباشي فشتت شمل المتاولة وكسرهم كسرة عظيمة بيد أنه لم يتمتع بثمرة انتصاره لأنه بينما كان عائداً برجاله تحت المغيرة كمن له بعض المتاولة وقتلوه مع ستة من رجاله فذهب شهيد الدفاع عن وطنه. وفي ولاية الأمير منصور الشهابي حوالى سنة ١٧٦٤ حدثت حوادث استوجبت كبت المتاولة فكان بنو كرم في مقدمة القائمين للاقتصاص من هؤلاء المعتدين. وفي سنة ١٧٧١ حدثت موقعة عظيمة في العاقورة بين الأمير بشير السمين عمّ الأمير يوسف الشهابي وبين المتاولة الذين هاجموا الأمير في العاقورة ودام القتال بين الفريقين من شروق الشمس إلى غروبها وكان مع الأمير يومئذ من رجال الجبّة الشيخ عيسى الخوري من بشري والخواجة يوسف كرم من إهدن ومعهما بعض الرجال فانكسر المتاولة. وفي اليوم الثاني بلغ الصوت جبه بشري فجاء الشيخ أبو سليمان عواد والشيخ حنا الضاهر وكامل رجالهما فخاف المتاولة كثرة الرجال وفرّوا بعيالهم من جبة المنيطرة ومن وادي علمات وما زالوا يطاردونهم حتى الكورة.
الى الأعلى

الشماس فرنسيس كرم وولده يوسف

أما يوسف كرم هذأ فهو ابن الشيخ فرنسيس وقد بنيا في زغرتا القصر المعروف إلى الآن بدار بيت كرم وكان يسكن فيه الشيخ بطرس وولده يوسف بك كرم وقد بُني على الطرز القديم كقصور الأمراء والمشايخ الاقطاعيين في لبنان. أما يوسف فرنسيس كرم فقد لقّبهُ العينطوريني بالخواجة وذلك لأن والده فرنسيس كان من موظفي قنصلية فرنسا في طرابلس ونال شهرة بعيدة في هذا المركز وله أعمال تُذكر فتُشكر. وكان له شقيق يُدعى "حنا" يُقيم معه في طرابلس ثم خلفه في وظيفته هذه ولده يوسف ففاق والده شهرةً ونفوذاً وجاهاً حتى أنه قطع حبل مشنوق وتوسط بأمره لدى والي طرابلس فأنقذه من القتل ولمعرفته اللغة الإفرنجية ومعاشرته الإفرنج بل لمعاطاته التجارة أخذوا يلقبونه بالخواجة وهي لفظة تطلق يومئذٍ على الإفرنج من التجار وغيرهم. ولما كانت بعض السنين٬ طلب إليه والي طرابلس أن يجمع الأموال الأميرية وكان جمعها يكلف الأهلين نفقات طائلة ولهذا فإن أعيان الجِبَّة ومشايخها جاؤوا يوسف كرم وبسطوا له الأمر فقام من سرعته ودخل على الوالي وتعهد له بأن يقوم بتأدية المال الطلوب وقدره ستة وثلاثون كيساً ( الكيس خمس ماية قرش) فأدّاه بعد يومين ومنع العسكر من دخول جبّة بشري. لعمري أن هذه الوجاهة التي أصابها والنفوذ الذي ناله هذا الرجل المقدام قد ساعداه على خدمة وطنه ورفع الضّيم عن قومه ولكنهما حركا بالوقت نفسه سواكن الحسد عليه فتآمر المتنفذون في طرابلس وسعوا به لدى الوالي ومدبريه وإتماماً لمقاصدهم الرديئة رشوا قنصله بسبعمائة قرش فرفع عنه حماية فرنسا بحجة واهيةٍ لا صحّة لها. فقبض إذ ذاك الوالي عليه وألقاه ظلمة السجون وساموه من العذاب أشكالاً وألواناً وغرّموه تسعة أكياس من النقود وضبطوا منزله المعروف بمحلة الد لبة في طرابلس وكان من أحسن منازلها وبعد أن بقي زماناً في السجن صار إخلاء سبيله. وأقام بعد ذلك في منزل آخر له يعرف ببيت برلان حيث بُنيت كنيسة القديس ميخائيل للموارنة المعروفة إلى اليوم. وكان أن نابليون القائد العظيم فتح مصر وجاء يريد فتح عكا (١٨٩٩) فانقطعت علاقات فرنسا بالدولة العثمانية وأصدر والى طرابلس أمراً بضبط أملاك يوسف كرم ومنزله وأثاثه كما جرى مصادرة تراجمة قناصل فرنسا في البلاد العثمانية فهرب يوسف لاجئاً إلى بلدته إهدن مسقط رأسه وموطن أجداده وأقام فيها بين أنسبائه وكان ذلك بعد وفاة والده وكان في ضيافته كثير من الفرنسيين اللاجئين إلى الجبل. قال ريستيلهوبر: "عندما قامت الحرب بيننا وبين تركيا لجأ أكثر الفرنسيين المقيمين في سوريا ولا سيما من كان منهم في طرابلس إلى أعالي لبنان خوفاً من الأتراك فكان الجبل لمواطنينا الفرنسيين كما كان لأجدادهم موئلاً أميناً وكان شيوخه كآل كرم أنصاراً والموارنة أصدقاء أصفوا لهم الود ولكن لم يمنع ذلك من أن تنهب بيوتهم ومخازنهم التي هجروها في طرابلس. والمعروف أن يوسف هذا هو الذي سعى ببناء كنيسة السيّدة في بلدته زغرتا وهي باقية إلى الآن على هيئتها القديمة وقد رأيت كتاب الصلوات (التشمشت) المصون في الكنيسة المذكورة المخطوط سنة ١٧٩٠ ما حرفيته: "هذا الكتاب المبارك وقف كنيسة سيدة زغرتا...وقفاً مؤبداً من أهل حلب أهالي الخير قابلهم الله عن أتعابهم جزاء صالحاً آمين. وهو في زمان وكالة حضرة الخواجه يوسف ولد فرنسيس كرم المحترم وأعلم يا أخي أن هذا الرجل يوسف في زمان وكالته كان غيور على هذه الكنيسة جداً وزينها بكل رغبة وغيرة في جميع ما يلزم لها من بناء وأثاث وكتب وغيره وكان من طبعه غيور على كل من قصده في عمل خير ومروءة قابله الله عن أتعابه دنيا وآخرة آمين. وكان ذلك في زمان حضرة سيدنا المطران جبرايل كنيدر في حلب وهذه السيدة تكون عونه دنيا وآخرة وفي زمان قدس حضرة سيدنا المطران جرجس يمين الكلي الشرف والاحترام سنة ١٧٩٢". ولا يخفى أن الصداقة كانت وثيقة العرى بين يوسف كرم هذا وبين الفرنسيين وبين الذين كان من موظفيهم في الشرق وقد لجأوا إليه في محنتهم ولما ترك الآباء اللعازريون زغرتا وإهدن (١٧٧٥) وأقاموا في طرابلس٬ بقيت أملاكهم في يد أصحابهم الكرميين وفرنسيس وولده يوسف وقد كان لهذا ميل شديد إلى فرنسا ويُحب لغتها وقد كتب تاريخ بناء داره بأرقام فرنسية مما يعد جرأة في تلك الأيام التي قلما كان يجاهر الناس بميلهم إلى دولة أجنبية لهذا الحد ولم يكتف بهذا بل إنه أراد تشديد عرى الصداقة مع الفرنسيين بالمصاهرة فقد زوّج ابنته من المسيو مازويه أحد نبلاء الفرنسيين ولما عاد أبناء أمته إلى فرنسا عند تقلبات الأحوال التي جرت بعد فتح نابوليون لمصر بقي مازويه في هذء البلاد ولم يخف شراً لأنه كان في بيت حميه المذكور وقد أقامت عائلته في اللاذقية وكان ابن مازويه ترجماناً لقنصلاتو طرابلس ورافق ده لامارتين (١٨٣٥) يوم زار خاله الشيخ بطريس بن يوسف فرنسيس كرم اهدن.
الى الأعلى

النهضة الوطنية

قال الجنرال ديكرو ما تعريبه: "ولقد تولّى الكرميون القيادة والزعامة منذ قرون في الاقطاعات الشمالية التي هي أقوى وأمنع اقطاعات الجبل وقد بقيت مع ما نزل بها من الغارات والحملات الشديدة الحصن المنيع والسور الحريز للنصرانية في الشرق ولم تنحصر شهرة بني كرم في المواقع الدموية بلبنان وفي عصور مختلفة بل نالوا شهرة بعيدة بتمسكهم بعروة الدين الوثقى والغرض الفرنساوي النبيل. وقال اللورد شرشل: "وجبّة بشري فيها نحو ٥٠ ألف ماروني تحت حكم بيت كرم وهي أقوى وأمنع حصن للموارنة وقد ثبتت مدة ألف وخمسمائة سنة غير متزعزعة فلم تكن الشدائد والمحن لتزحزح هؤلاء الجبليين من أعالي جبالهم ومواطنهم وظلوا بعيدين عن الدسائس السياسية التي شغلت أهل السواحل وواصلوا العمل في أرضهم يحترمون مشايخهم أيما احترام". وقال العينطوريني ما خلاصته: "وكان مشايخ الجبّة وفي مقدمتهم شيخ اهدن الكرمي يُحافظون على حقوق البلاد ويحكمون اقطاعاتهم على قاعدة الحكم الاقطاعي واستمروا على هذا فبيت كرم يحكمون اقطاعة اهدن إلى أن ألغيت الاقطاعات سنة ١٧٦٠".
الى الأعلى