يوسف بك كرم في سطور

ولد في بلدة إهدن، شمالي لبنان، في منتصف أيار ١۸٢٣. والده الشيخ بطرس كرم، حاكم إقطاعة إهدن. والدته السيدة مريم ابنة الشيخ أنطونيوس بو خطار من عينطورين.
تعلم مبادئ اللغتين السريانية والعربية، كما درس مبادئ الصرف والنحو، وتعلم الإيطالية والفرنسية. ولم يكتف بذلك بل عمل على تطوير ثقافته حتى أصبح ملما بأمور متنوعة منها الدينية والأدبية والعلمية والتاريخية وحتى الإدارية، كما تعلم الفروسية على يد الشيخ عماد الهاشم العاقوري. واللافت أن كرم عاش حياة التقوى منذ صغره فلم ينقطع يوما عن ممارسة فروضه الدينية وكان يصلي الصلوات في أوقاتها في كل الظروف والأحوال ويحضر القداس في الصباح الباكر وهو ساجد يصلي المسبحة. وقد حرص على أن يحمل في عنقه ذخيرة عود الصليب المقدس. هكذا ومنذ نشأته، استند كرم إلى فروسية مميزة وثقافة رفيعة وإيمانا راسخ، فكان أن شب كرجل دين وإيمان واستقامة وفكر وقلم بدرجة فاقت في كثير من الأحيان كونه رجل سيف وسياسة بمعناها التقليدي.
عام ١۸٤۹ ، عين مأمورا لقيد النفوس في مقاطعة الجبة وهو كان حينها حاكما لإقطاعة إهدن. وقد حصل أ ن المبشرين الإنكليز المقيمين في طرابلس أرادوا في صيف ١۸٥۹ إنشاء مركز للبروتستان في إهدن، فاستأجروا منزل بحجة أنهم يريدون تأسيس مدرسة، فعمل على طردهم، قائلا : "إن إهدن هي عرين الإيمان المسيحي الصحيح ولا تحتاج إلى من يهديها إلى طريق المسيح."
في ١٥ آذار ١۸٥۷، وكله أهالي إهدن وقسم من أهالي الجبة ليصبح حاكما على المنطقة بصلاحيات إدارية وقضائية وعسكرية واسعة.
في العام ١۸٦۰، عين وكيل قائمقامية النصارى في جبل لبنان.
في عام ١۸٦٢، رفض كرم نظام المتصرفية الذي فرضته الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية كونه يثبب حكم جبل لبنان في يد حاكم أجنبي، فتم نفيه للمرة الأولى.
خاض معارك عديدة ضد العسكر العثماني من أبرزها معركة بنشعي الكبيرة التي هزم بها كرم ورجاله جحافل الجيش العثماني، ومعركة سبعل وغيرها من المعارك التي انتصر فيها كلها كرم ورجاله.
في منفاه الطويل الذي استمر حتى وفاته، لم يتوقف كرم عن المساعي والجهود السياسية والدبلوماسية التي بذلها من أجل تغيير نظام مجحف وظالم بحق بلده وشعبه.
في أواخر أ يامه، أنشأ كرم جمعية دينية على اسم القديس يوسف هدفت الى نشر تعاليم الله والكنيسة وإلى مساعدة الفقراء والمحتاجين وتعليم الأحداث والعناية بالمرضى. وكان مركزها في دير مار يوسف عبرا، بين زغرتا وإهدن.
في ١٢ أيلول ١۸۸۹، وصل جثمانه إلى بلدته زغرتا. وفي اليوم التالي نقل إلى كنيسة مار جرجس في إهدن. وما زال جثمانه حتى يومنا هذا كما هو رغم مرور ١٣٢ سنة على وفاته، مع العلم أن الجثمان دفن في نابولي ومن ثم أعيد نقله عبر البحار إلى لبنان.
عام ١۸٤٥ ، وهو في سن ٢٣، حصلت معه حادثة تدل على شهامته وشجاعته وإيمانه. فقد تصدى كرم لعسكر الدولة العثمانية الذي أراد نزع سلاح الأهالي في الشمال بالقوة وألحق به شر هزيمة، وغنم منه كمية كبيرة من السلاح والذخائر، فوضعت الدولة مكافأة قيمة لمن يأتي بكرم حيا أو ميتا. فلما علم كرم بذلك، قام ونزل بنفسه إلى طرابلس ودخل مقر القائد العثماني. ووسط ذهول القائد، وقف كرم يعرف عن نفسه قائلا : "بلغني أ ن دولتك وضعت جائزة لمن يأتيك برأسي أو يأتي بي إليك حيا، فها أنا بين يديك فافعل ما تشاء على أن تأمر بتوزيع الجائزة على الفقراء. فسأله القائد: "ما الذي دفعك إلى العصيان؟" رد كرم: "علمت أن العسكر قادم إلينا لجمع السلاح بالقوة القاهرة، وإنه سيفعل ببلدي ما قام به بغير أماكن من البلد حيث اعتدى على الأهالي وعاملهم بوحشية وأهان الكهنة والكنائس. فحملني حب بلدي وشعبي والنفور من الجور والظلم على أن أفعل ما فعلت. "عندها أعجب القائد بجرأة كرم وحرية ضميره وقرر العفو عنه وصرفه مكرما.
في ٨ كانون الأول عام ١۸٤٥، بادر كرم إلى تأسيس أخوية الحبل بلا دنس التي حظيت بمباركة البطريرك ودعم الأهالي. واختار كرم شعار الأخوية القائل: "فليكن مباركا الحبل بسيدتنا مريم العذراء البريئة من دنس الخطيئة الأصلية." وقد حرص كرم على إعداد الرياضات الروحية واهتم بإبطال العادات المستهجنة ومنع الملابس غير المحتشمة وخاصة لدى دخول الكنيسة.
أسس كرم فرقة الكشاف اللبناني ووضع لها قوانين وتعاليم مماثلة لتعاليم الكشافة اليوم. وقد ساهمت جمعية الكشافة هذه في النهضة الوطنية الكبرى وكان لها دورا هاما.
في أواخر آب ١۸٥۹، قرر كرم الإبتعاد عن السياسة والإنصراف إلى خدمة الرب من خلال المثابرة مع كهنة علماء على أعمال الرسالة الروحية، لكن أحداث ١۸٦۰ الدموية دفعته مرغما للعودة إلى معترك السياسة.
في ١٢ تشرين الثاني ١۸٦٤، وإثر تجديد ولاية المتصرف الأجنبي داوود باشا، عاد كرم إلى لبنان سرا.
في شباط ١۸٦٦، وافق كرم مرغما على نفيه الثاني من لبنان وذلك ليجنب رجاله وأهله المزيد من المعارك والدماء والدمار. حينها قال للجماهير التي أبت أن يرحل عبارته الشهيرة: "فلأضح أنا وليعش لبنان".
في العام ١۸۷۸، أقام كرم في نابولي حيث استأجر فيلا أطلق عليها اسم الدار اللبنانية "فيلا ليبانيزا"، فانقطع كليا عن السياسة ممارسا واجباته المسيحية على أكمل وجه. وأفرد غرفة في الفيلا جاعلا منها معبدا تزينه صور المسيح ومريم العذراء ومار يوسف فوق مذبح من خشب أكملته الأواني الكنسية، فكان كرم يقضي ساعات عدة مصليا ومتعبدا.
توفي كرم في نابولي، في إيطاليا، في ۷ نيسان ١۸۸۹.
في ١١ أيلول ١۹٣٢، أزيل الستار عن تمثال كرم في باحة كنيسة مار جرجس في إهدن.