قصة حياة يوسف بك كرم

يوسف بك كرم

هو يوسف بن بطرس بن يوسف بن فرنسيس كرم الاهدني ولد في إهدن بأواسط شهر ايارسنة ١٨٢٣. والده الشيخ بطرس كرم ووالدته مريم ابنة الشيخ انطانيوس ابي خطار العينطوريني. شب وترعرع في بيت كريم وبين هضاب اهدن الجميلة وجبالها الرائعة. كان والده من أعظم اللبنانيين جاهاً واجلهم مقاماً وأصدقهم وطنية واكرمهم يداً. وكانت داره ودار اجداده في إهدن مزاراً للملوك والأمراء والعظماء. فقد زارها على التوالي: الامير فخر الدين (١٦٢٤) والكونت دي جيرامب (١٨٣٢) والشاعر الفرنسي دي لامارتين (١٨٣٣) والبرنس دي جوانفيل نجل لويس فيليب ملك فرنسا مع حاشيته الملوكية (١٨٣٦) وابراهيم باشا المصري (١٨٣٩) والكاتب الشهير اوجين بوجاد (١٨٤٦) والمنسنيور ميسلن رئيس اساقفة فيينا (١٨٤٨) والبرنس ليوبولد ولي عهد مملكة بلجيكا (١٨٥٩) والكونت دي باري ولي عهد مملكة فرنسا (١٨٦٠) وفؤاد باشا (١٨٦١) والبرنس اوف ويلس نجل جلالة الملكة فكتوريا (١٨٦٢). وقد ورث عن آبائه واجداده الوطنية وحب لبنان والنزاهة والكرم والبطولة والاقدام والوفاء وعزة النفس.

وعندما بلغ السابعة من عمره ادخله والده مدرسة بلدته ليتلقى فيها مبادئ اللغتين السريانية والعربية. فانكب الفتى الكرمي على تحصيل هذه المبادئ بنشاط واجتهاد. وكانت مدرسة البلدة قائمة وقتئذ بالقرب من دار والده في ظلال اشجار الجوز المرتفعة امام كنيسة القديس بطرس القديمة.

ولم يلبث في هذه المدرسة طويلا حتى اخرجه منها والده واستقدم له اساتذة لقنوه العلوم واللغات في داره. فالأب امايا اللعازاري لقنه اللغة الفرنسية واحد الآباء الكرمليين علمه اللغة الايطالية والخوري اسطفان يزبك درسه العربية والخوري موسى الدويهي السريانية. ولم يكتف بما حصله، بل أخذ يدرس على نفسه ويقتبس كثيراً من المعارف حتى اصبح متعمقا في الامور الادبية والعلمية والتاريخية.

ثم رأى والده ان يتعلم الفروسية وفنونها. فتلقن علم ضرب السيف واطلاق الرصاص عل يد الشيخ عماد الهاشم العاقوري، ثم مال الى ركوب الخيل والفروسية ولعب الجريد فنبغ في جميعها وفق اساتذته. فقد نازل يوسف آغا الشنتيري في ميدان الامير بشير في بكفيا، فتغلب عليه ونازل الامير علي منصور ابي اللمع وحنا بك ابي صعب في ميدان الامير ببرمانا فتغلب عليهما.

واول معركة لمع فيها نجم البطل اللبناني الشاب كان في معركة حيرونا (١٨٤٢) التي تولى فيها قيادة مواطنيه ودحر فيها عساكر والي طرابلس التي اتت للتفتيش عل مشايخ آل الدحداح الذين كانوا اعتصموا في اهدن. وكان كرم يومئذ في التاسعة عشرة من عمره. ومنذ ذلك اليوم اخذ نجمه يسطع ويكبر في سماء البطولة وشدة البأس، والانتصارات تتلو الانتصارات حتى اصبح زعيم لبنان الاكبر وبطله الاوحد ورافع لواء استقلاله.

وفي سنة ١٨٤٥ عندما امر شكيب افندي بجمع السلاح من الاهالي تمنع الشماليون عن تقديم سلاحهم، فسير لقتالهم ستة آلاف جندي بقيادة ابراهيم باشا ورشدي باشا وجهنم باشا ونامق باشا، فسحق يوسف كرم هذه الجيوش في محلة الدوير فوق تنورين.

وفي سنة ١٨٤٦ توفي والده الشيخ بطرس كرم فتولى بطلنا حكم اقطاعة اهدن مكان والده. فكان عادلا، عفيف النفس، محافظاً على الدين، غيورا على الآداب، ومدرباً الشبان عل محبة الوطن.