عمارة يوسف بك كرم تستعيد مجدهـا


حسناء سعادة 

عادت عمارة يوسف بك كرم في زغرتا إلى سابق عهدها، لا بل يمكن القول إنها باتت أجمل مما كانت في غابر الزمان، عندما كانت تضج بالحياة وتستقبل الوافدين للتهنئة بمولد «بطل لبنان»، يوسف بك، الذي أبصر النور في إحدى غرفها وتربى وترعرع في أرجائها.
هي العمارة التي لطالما عانت الإهمال، الذي يعشش في ثناياها، والذي يحولها إلى ما يشبه مكباً للنفايات، وسط إهمال رسمي شبه تام، إلا أن يداً امتدت لتنتشل العمارة وما تشكل من رمزية تاريخية ومناطقية لأهالي زغرتا من الانهيار والاندثار. إذ إنه بمجهود فردي من أبناء المرحوم سعيد الطبيش، استرجع المنزل الوالدي لكرم رونقه، على أن يتحول في وقت لاحق إلى متحف يضم أدوات وتحفاً قديمة تعود إلى العام 1777، أي الحقبة التي تم خلالها الانتهاء من تشييد البيت، على ما كتب على اللوحة التذكارية التي تعلو مدخل البيت والتي تشير إلى أن عملية البناء تمت على يد الشماس فرنسيس، بطلب من جد يوسف بك كرم. 
حكاية العمارة مع الإهمال بدأت منذ الثمانينيات، فالبيت الأثري الذي باعته وريثته دلال كرم رزق إلى سمعان جميل كرم، وبرغم رمزيته وأهميته التاريخية والمعمارية، وسعي المالك الجديد، لم يتم إدراجه في لوائح الجرد العام، ما أدى إلى تداعي حجارته وانهيار قسم كبير منها، غير أن المالك الجديد سارع إلى ترقيمها وحفظها في باحة منزله خوفاً من ضياعها وندرة الحصول عليها إذا تمكن من تأمين المال اللازم للترميم. إلا أن الوضع المادي لم يساعده كون ترميم المنزل حسب الطراز الذي تم تشييده به يحتاج إلى أكثر من نصف مليون دولار، فاضطر إلى بيعه إلى عائلة سعيد الطبيش التي سارعت إلى الترميم بمجهود فردي وعبر الاستعانة بمتخصصين في ذلك المجال، وبمتابعة يومية وصبورة من سايد ومحسن ولدي سعيد، اللذين عمدا الى استقدام حجارة البناء من ميناء طرابلس، أما حجارة الأرض فتم استقدامها من سوريا.
ويقول سايد الطبيش: «عندما لم تعد تتوافر الحجارة عمدوا إلى تفكيك ثلاثة منازل بمبلغ مرقوم لاستخدام أحجارها، وإتمام البناء المؤلف من ثلاث طبقات»، لافتاً إلى أنهم استعانوا بأشخاص للعمل داخل العمارة لهم خبرة وباع كل في مضماره، ما أدى إلى الوصول إلى عمارة متناسقة جميلة تعكس فنا معماريا رائعا للقرن الثامن عشر». ويضيف الطبيش: «لقد باشرنا بتحويل العمارة إلى متحف يحمل اسم بطل لبنان يوسف بك كرم، ويضم أدوات قديمة ولوحات فسيفسائية، فضلاً عن مجموعة من الخوابي والآلات التي كانت تستعمل في الأرض، بالإضافة إلى أسلحة كانت تستخدم في الحقبة التي عاش خلالها كرم»، مشيراً إلى أن «السياح وقبل افتتاح المتحف بدأوا بالتوافد لرؤية العمارة بعد الترميم وقبل الافتتاح الرسمي حيث يصار إلى استقبالهم وتوزيع منشورات خاصة ببطل لبنان وحياته وأعماله».
بأدراج صغيرة دهليزية رائعة و«بكوات» مفتوحة على الضوء والشمس ومنزل له في قلوب الزغرتاويين رمزية، تصل إلى حدّ التقديس، يتوافد الأهالي لزيارة منزل يوسف بك كرم، الذي بات تحفة معمارية، تؤكد مقولة إنه إذا وجد التصميم مع الإرادة والإمكانيات ينجح المجهود الفردي في إعادة الحياة حتى إلى الحجر.

شارك هذا الخبر