يوسف بك كرم… تاريخ حافل بالاحداث والوقائع


المحامي شارل ي . ابي صعب

تعقيباً على المقال المنشور في جريدة الانوار بتاريخ 3/4/2013 عن يوسف بك كرم والمعنون: خلال مراجعة للمؤلفات والوثائق والمحفوظات المتعلقة ببطل لبنان: العثور على رواية تاريخية من العام 1922 عن يوسف بك كرم، والذي تمحور مضمونه حول اعادة ترميم جثمان هذا الاخير على يد البروفسور الايطالي لويجي كاباسو وفريق عمل مؤلف من الدكتور فادي فينانوس وجمعية يوسف بك كرم، اضافة الى الأب اسطفان فرنجية . كما تناولنا الاحتفال الكبير الذي جرى في ساحة كنيسة مار جرجس- اهدن- بتاريخ 11/6/1932 لمناسبة ازاحة الستار عن تمثال يوسف بك كرم، وتطرقنا الى بعض الاحداث والمواقع التي حدثت مع عسكر ابراهيم باشا وغيره ، فإننا نضيف في هذا السياق الاحداث التي استجدت مع داود باشا:
بعدما وضعت الدول بالاشتراك مع الدولة العلية نظام لبنان الجديد اختارت داود باشا متصرفا فحضر الى لبنان في 10 حزيران سنة 1862 وباشر بمأموريته وجعل لبنان ستة اقضية وجعل على كل قضاء قائمقاما من الطائفة التي افرادها هم اكثر عددا. وولى على بلاد جبيل والبترون وجبة بشري وجبل كسروان قائمقاما مارونيا وعلى المتن وساحل بيروت قائمقاما مارونيا ايضا، وقائمقاما ثالثا على اقليم جزين واقليم التفاح وجبل الريحان وعلى الشوف والعرقوب والجرد والغربين والمناصف والشحّار واقليم الخروب قائمقاما درزيا، وعلى زحله قائمقاما من الروم الكاثوليك وعلى الكوره آخر من الروم الارثوذكس. واما دير القمر فلوقوعها في وسط قائمقامية الدروز جعلت بموجب بروتوكول تحت ادارة المتصرف مباشرة، فلذلك نصب عليها مديرا مارونيا مستقلا يرجع في اموره الى المتصرف رأسا. وترتب لكل قضاء مجلس يعرف بالمحكمة مؤلفة اعضاؤه من الطوائف المتوطنة في ذلك القضاء بالنسبة الى عددهم يكون رئيسهم من طائفة القائمقام وقسمت كل قائمقامية الى مديريات متفاوتة في العدد والاهمية حسب اهمية واتساع القائمقامية.
 

معارضة إلغاء الإمتيازات
اما كسروان والبترون وجبة بشري فقد جعل عليها قائمقاما الامير مجيد ابن الامير قاسم ابن الامير بشير الكبير. ونظرا لاهمية هذه القائمقامية واتساعها جعل عليها داود باشا اربعة ضباط، وهم الامير سعد الدين الشهابي وابو سمرا ويوسف اغا الشنتيري وعبدالله اغا نصر، وجعل تحت قيادة كل منهم خمسة وعشرين خيالا وخمسة وعشرين نفرا.
وبات اهل السكينة ينتظرون خيرا من وراء هذه الترتيبات التي جرت في لبنان ، ولكنهم اخطأوا ظنا لان بعض اللبنانيين، ولا سيما الاعيان منهم، لم يرضوا من هذه النظامات الجديدة لانها على زعمهم اخفضت من كرامتهم ووضعت من وجاهتهم وجعلتهم متساوين بعامة الشعب بإلغاء امتيازاتهم القديمة، وهي امتيازات ذوي الاقطاع، الذين بعدما كانوا حاكمين اصبحوا بفضل النظام الجديد محكومين.
وقد اغتنم يوسف بك كرم حركة الخواطر هذه ليقوم ضد هذه التنظيمات ويكون في مقدمة الناهضين لالغائها. وكان داود باشا قد عرض عليه ولاية قائمقامية قضاء جزين، فلم يرض، وقد شق عليه ان يكون قائمقام قضاء جزين بعدما تولى مدة وكالة قائمقامية النصارى وبعدما طمع في ولاية لبنان قبل داود باشا، كانت تطمح نفسه، بعدما جرى ما جرى، الى تولي قائمقامية كسروان والبترون الكبيرة عوضا عن الأمير مجيد، ولم يكن داود باشا ملوما على ما فعل لانه لم ينظم ما نظم الا باستشارة اكثر من رئيس وعظيم في لبنان طمعا منه بالحصول على رضا الرؤساء الروحيين وعموم الاهلين .
وعلى هذا فلما رأى يوسف بك ان نظامات لبنان الجديدة مجحفة بصالحه، نادى بعدم الاذعان والطاعة وحمل قومه في شمالي لبنان على مقاومة اجراءات المتصرف .
 

تاريخ ابي سمرا غانم
كانت حروب يوسف بك كرم مع داود باشا اهم حدث حصل بعد سنة الستين، وقد اثبت ملخصها تاريخ ابي سمرا غانم، الذي كتب في هذا الصدد: منذ تولي داود باشا متصرفية جبل لبنان شرع في اجراء الاصلاحات الجديدة، التي اتفقت الدول على احداثها في الجبل، فتلقاها الشعب بالرضى والقبول، إلا ان ذوي الاقطاع من الامراء والمشايخ كانوا ينظرون اليها بعين الجفاء، لانها الغت امتيازاتهم القديمة وساوتهم بافراد الناس وعامتهم، ولكنهم لما لم يلاقوا من الاهالي حليفا يشد ازرهم على مقاومتها والتصدي لها، التزموا ان يرضخوا لاحكامها.
اما يوسف بك كرم، الذي ملك قلوب اهالي المقاطعات الشمالية بكرمه وبسالته وغيرته الوطنية، فإنه لقي من الشعب هنالك عضدا قويا على مقاومة هذه الترتيبات، واتفق معهم على معارضة اجراءات المتصرف اشد المعارضة، فلم يقبلوا ان يتولاهم من قبله شيخ او امير وتصدوا لمسح الاملاك وترتيب الاموال الاميرية كل التصدي، فشق ذلك على داود باشا ورفع الى الاستانة العريضة اثر العريضة يشكو فيها يوسف بك كرم الى المراجع العالية ويصفه فيها انه مثير الفتن والقلاقل في البلاد. فصدر الامر السامي بابعاد يوسف بك كرم الى الاستانة فسار اليها مسرورا لانه كان يعتقد بأن فؤاد باشا واضع نظام لبنان يكون مساعدا له ومحاميا يدفع عنه كل تهمة، ولا عجب ان اكتسب ثقة هذا الوزير الخطير الذي كان يقدر اقتداره على تولى الاحكام حق قدرة بعدما اختبره بنفسه يوم عمد اليه تولي منصب قائمقامية النصارى بالوكالة. وبعد سفره سكنت القلاقل وقبل اللبنانيون بكل الترتيبات الجديدة في كامل انحاء البلاد وسارت الاعمال على قدر الامكان سيرا حثيثا على محور العدل والمساواة والاستقامة.
 

العودة من الاستانة
ولما كانت نظامات لبنان تقضي بفصل المتصرف بعد ان يقضي في ولاية الاحكام خمس سنين مع امكان ابقائه في منصبه خمسا اخرى ان وافقت الدولة العلية، على ذلك كان يوسف بك كرم ينتظر في الاستانة انهاء مدة داود باشا ليستأنف الكرة ويعود الى المجاهدة توصلا الى الحصول على متصرفية لبنان. وفي سنة 1865 عاد من الاستانة الى لبنان ونزل في مدينة طرابلس، ومنها اتى زغرتا مسقط رأسه من دون ان يشعر بحضوره احد، وبعدما علم سكان المقاطعات الشمالية في لبنان بوصوله اقاموا الافراح والمهرجانات العظيمة واخذوا يتقاطرون اليه مهنئين.
ان اللبنانيين اعجبوا كثيرا بانتصارات يوسف بك كرم المتوالية، فإنه قضى نحو السنة تقريبا في خوض الاحداث، اذ حقق الفوز الاكبر في معظمها، حتى خال للبعض ان انتصاراته كانت عجائبية، وقد اجتازت شهرة يوسف بك البحار وذاعت سمعته في الاقطار الاوربية، لاسيما فرنسا منها، وقد لهجت جرائدها بذكره كثيرا، ولما سار الى فرنسا بعد قبوله حمايتها، كان فيها موضوع اعجاب الفرنسيين، وكانت الناس تشير اليه قائلة: هذا هو البرنس كرم الامير اللبناني.
المرجع : كتاب ابو سمرا غانم او البطل اللبناني تأليف خليل همام فائز – طبع في مصر سنة 1905- وقد اثبت المؤرخ الخوري يوسف ابي صعب ان مؤلف هذا الكتاب هو ابراهيم بن ابو سمرا… متسترا بإسم خليل همام فائز: راجع مجلة الشرق 1927 : 860 .
 

مراجع قديمة
كنا قد اشرنا في مقالنا السابق الى بعض المؤلفات التاريخية والادبية والشعرية والمسرحية التي وضعت عن حياة وبطولات ومآثر يوسف بك كرم والتي تناولت مسيرته النضالية والكفاحية ومن بينها كتاب يحمل عنوان بطل لبنان : يوسف بك كرم، وهو رواية لبنانية تاريخية ذات خمسة فصول بقلم ميشال يوسف حايك طبعت في مطبعة الاجتهاد- بيروت- سنة 1922 محفوظة في مكتبة المؤرخ الخوري يوسف ابي صعب، اضافة الى عثوري بين محفوظات المكتبة المذكورة على كتاب من الحجم الصغير طبع تحت عنوان: بطل لبنان الاوحد يوسف بك كرم- ولد سنة 1823 وتوفي سنة 1889 يقع في 66 صفحة مال لون اوراقه الى الاصفرار لقدم عهده . وهو يتضمن مجموعة الخطب والقصائد والمعنّى من فطاحل الخطباء والشعراء اللبنانيين والتي القيت في حفلة رفع الستار عن تمثال بطل لبنان الاوحد في 11 ايلول 1932- اهدن- لبنان- هكذا ورد حرفيا في الصفحة الاولى من الكتاب المذكور، لجامعه محسن بطرس معوض الاهدني- صاحب فندق اهدن في بيروت – سنة 1932- الذي دون في مقدمة الكتاب:
كانت حفلة ازاحة الستار مظهر من مظاهر تقدير اللبنانيين لتلك الوطنية التي حمل علمها بطل الشمال وضحى في سبيلها ما ضحى، فتوافدت اليها الجموع من كل ناحية والقيت فيها الخطب والقصائد كانما الناس في موسم عكاظ، ولما كانت تلك الاقوال اثمن من الدرر الغوالي، وكانت تلك الحفلة مظهرا من مظاهر التقدير والاجلال رأيت ان ادونها في سفر خاص يبقى اثرا خالدا للآتين من بعدنا يتلون اياته على ممر الدهور.

شارك هذا الخبر