العثور على رواية تاريخية من العام 1922 عن يوسف بك كرم


قرأت في جريدة الأنوار تاريخ 9/3/ 2013 مقالاً عن اعادة ترميم جثمان يوسف بك كرم بعد نقله من كنيسة مار جرجس في إهدن الى مستشفى سيدة زغرتا، وذلك بحضور القيمين على عملية اعادة الترميم الخوري اسطفان فرنجيه كاهن رعية زغرتا- اهدن، والبروفسور لويجي كاباسو وفريق عمله المؤلف من الدكتور فادي فنيانوس وممثل جمعية يوسف بك كرم جوزف كرم.
وكان البروفسور كاباسو قد زار لبنان في العام 2000 بناءً على طلب الأب فرنجيه للكشف على الجثمان واجراء دراسة طبية وتاريخية شاملة له حول امكانية اعادة ترميمه. وتبدأ هذه الدراسة اولاً من الناحية التاريخية والتي تتناول الظروف التي ادت الى وفاة يوسف بك كرم واجراء دراسة عن اماكن تواجده آخر ايام حياته، ليستنتج بعدها كيفية المحافظة على الجثمان وتحليل الظروف والحالات التي حفظ على اساسها، خصوصا ان يوسف بك كرم توفي في مدينة نابولي – ايطاليا – ودفن فيها.
وقد طلب أهله في خلال السنة التالية من قائمقام هذه المدينة استرجاع الجثمان ليدفن في لبنان، فخضع في موطنه الأم الى نوع من التعبئة حوالى العينين، انما بطريقة غير علمية، كما يشير الروفسور كاباسو وفريق عمله، لينتقل بعدها فريق العمل الطبي الى الناحية او المرحلة الطبية والتي ادت الى الاستنتاجات التالية وفق تقرير البروفسور كاباسو:
ان الامعاء الداخلية لا تزال محفوظة ومنها الكبد، ولا وجود لآثار عنف لا على الهيكل ولا على الجثمان الخارجي، فحالته الصحية قبل الوفاة تساعدنا على تحديد طريقة حفظ الجثمان، وستؤخذ الفحوصات الى الجامعة في ايطاليا، كما سنعيد تأهيل الفك والوجه لانهما متآكلان كثيراً. ولان الرعية مهتمة باعادة عرض الجثمان في الكنيسة، أكد البروفسور كاباسو أن هذه النقطة هي الاصعب والادق في اعادة الترميم، لان عملية تأهيل الوجه هي المرحلة الاصعب.
وعند اكتمال عملية الترميم بشكل نهائي سيوضع الجثمان في تابوت زجاجي معزول بطريقة فنية وتقنية وحيث لا يسمح للمياه والهواء بدخوله وسيعمد الى اقفاله بشكل نهائي.
والجدير ذكره في هذا الصدد ان التابوت الزجاجي سيصنع في ايطاليا ويرسل الى لبنان وسيوضع في داخله غاز للمحافظة على الجثمان، الذي بقي حتى اليوم على حاله المشار اليها آنفاً بخاصة من الناحية الطبية، الأمر الذي يدفع الى التساؤل عن كيفية بقائه طيلة الفترة الممتدة من تاريخ وفاته ولغاية اليوم رغم تقلبات الظروف والاحوال السابقة واللاحقة لوفاته، لاسيما وان هنالك وثائق تاريخية تشير، وفق الدراسات التي اجريت على الجثمان، ان عدة اعضاء لا تزال كما هي منذ تاريخ وفاة يوسف بك كرم.
كلمات واشعار
ونعود بالذاكرة الى ما قرأناه من خطابات ألقيت وكلمات واشعار نشرت وفي مناسبة ازالة الستار عن تمثال يوسف بك كرم في ساحة كنيسة مار جرجس – اهدن – بتاريخ 11/6/1932.
نذكر البعض منها ليوسف السودا والشيخ ابراهيم المنذر ورشيد بك نخله وكرم ملحم كرم وشحرور الوادي وبشاره الخوري وشبلي الملاط شاعر الارز، الذي قال عن يوسف بك كرم:
هذا الذي اعلى منارة إهدنٍ/بحياته واعزّها بمماتهِ/كالأرز قد كتب الخلودُ ليوسف/ من مجده وسطراً على صفحاته. شبلي الملاط راجع نص كافة الخطابات والكلمات التي ألقيت في مناسبة ازاحة الستار عن تمثال كرم، كتاب: قلائد المرجان في تاريخ شمالي لبنان لمؤلفه بطرس بشارة كرم – الجزء الاول والثاني – طبعا في مطبعة الهدى اللبنانية – بيروت 1929. حيث إشرأبت الاعناق وحدقت الابصار اثناء المهرجان الضخم الى ذلك التمثال الجبار المجلل بستار ابيض يشبه قمة من قمم جبال الارز المكللة بالثلوج البيضاء علامة النصر والعنفوان.
فلسفة الحياة
اخترت احد الخطابات التي القيت في تلك المناسبة، وقد عثرت عليه في ارشيف مكتبة – المؤرخ الخوري يوسف ابي صعب، وبالتحديد في قسم المحفوظات العائدة بمستنداتها الى المطران اغناطيوس مبارك، الذي تفوه بكلمة مؤثرة تعبر عن حال اللبنانيين في تلك الفترة المظلمة من تاريخ الوطن، حيث دعاهم الى تعلم الوطنية الحقة من بطل لبنان، والى المسؤولين في الدولة ان يضعوا المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية، وللفاسدين ان يأتوا الى ساحة اهدن ليتعلموا التضحية في سبيل الوطن من يوسف بك كرم:ما فلسفة الحياة سوى معرفة اسباب اعمال الرجل في سائر اطوار حياته فحياة يوسف بك كرم تختصر بثلاث كلمات كانت المحرك الوحيد لاعماله في كل اطوار حياته: حب الدين، وحب لبنان، والثقة بفرنسا. كان يوسف بك كرم معتصماً بالدين مثل كل ابناء الشمال لكن دينه كان قبل كل شيء مؤسساً على المحبة فحمل السيف ليس للفتك والظلم بل للمحاماة عن المظلومين وقد أوصى رجاله ان ينكفوا عن كل تعد على النساء والاطفال وعلى كل مسالم مكتفين بالدفاع عن المظلوم.
لبنان يا سادتي، كان الشغل الشاغل ليوسف بك كرم وبما انه ظن ان في نظام لبنان مساً لاستقلاله هبّ هبته المشهورة. فانظروا الان ما أعظم الفرق بينه وبين اولئك المنتفعين الذين لا يعرفون للوطنية معنى الا اذا امتلأت جيوبهم فقد سمعنا بعضهم يتشدق بالوطنية ويؤكد لسامعيه استعداده لسفك دمه مقتدين ليس بشجاعته فحسب بل بتجرده وتضحيته ولذا رأينا النصر حليفهم في كل مواقعهم ولا عجب اذا كان الاحفاد قد ورثوا الجدود فكما لبى جدودهم صوت بطلهم يوم دعاهم الى القتال محافظة على لبنان رأينا الاحفاد يلبون نداء فرنسا في هذه الايام فيفتحون الطريق لعساكرها لقمع ثورة كانت خطراً على لبنان وعلى فرنسا في هذه الديار فاستحقوا تقريظ الجنرال غورو المشهور: انني ببضع مئات من هؤلاء الابطال اقهر عشرات الالوف من الاعداء.
ان يوسف بك كرم اقتبل من ابيه وصية ان يحب فرنسا ويثق بها وقد أظهر هذه الثقة حينما حضر قنصل فرنسا وطلب اليه ان يغمد سيفه ويسرح رجاله ويثق بفرنسا للمحافظة على مصالح لبنان وبدون جدال نزل عند رغبة ممثل فرنسا رغم انتصاراته الباهرة.وفوق ذلك عندما طلب اليه القنصل الفرنسي ان يغادر وطنه ويعيش في المنفى فبدون تردد ضحى بذاته وبمستقبله وغادر لبنان ليقضي حياته في الغربة متكلاً على فرنسا انها تحافظ على لبنان وعلى مصالحه الحيوية. وكان من منفاه يتتبع الحوادث وكم كان سروره عظيماً. لما رأى ان فرنسا جاوبت على ثقته وبسهرها على نظام لبنان ارجعت اليه الحيوية والراحة والامن والعدل والرفاه حتى اصبح لبنان يغبطه جيرانه قائلين : هنيئاً لمن له مرقد عنزة في لبنان!
فسعادة لبنان كانت سعادته في منفاه وقد كتب الى احد اصدقائه الفرنسيين: اني مسرور ان اضحي بشرط ان يحي لبنان سعيداً بظل الحماية الفرنسية فلأضح انا وليعيش لبنان.
وانتم يا ابناء لبنان لا تكتفوا بالثقة بفرنسا بل ثقوا بنفوسكم اولاً وتعلموا الوطنية الحقة من بطل لبنان يوسف بك كرم. فمتى كثر مقتفو آثاره بشروا لبنان بنجاح باهر وسعادة دائمة. وعندما تتهيج براكين المصلحة الشخصية ويصعد دخانها الاسود فيعمي الابصار والعقول فتضحى مصلحة لبنان على مذبح المنفعة الشخصية، تعالوا يا بني لبنان الى شمال لبنان واحضروا الى هذه الساحة الاهدنية وزوروا قبر البطل اللبناني وتأملوا بتمثاله. فمن داخل القبر تسمعون صوت كرم رغم سكوت الموت ومن تمثاله تسمعون صوته رغم جمود النحاس صوتاً يختصر فلسفة حياته كلها: فلأضح انا وليعش لبنان!!
تمثال يوسف بك كرم
منذ فجر العشرين من القرن الماضي، ولدت فكرة اقامة تمثال ليوسف بك كرم لدى الاهدنيين الذي يمثل لهم القائد والبطل العظيم، بل بطل لبنان الاوحد، واخذت هذه الفكرة النبيلة تسلك طريقها القويم نحو التنفيذ وذلك قبل ان تندلع الحرب الكبرى. لكن ويلات ومصائب هذه الاخيرة ادت الى تأجيلها حتى سنة 1920، حيث هب كم من الاهدنيين وعلى رأسهم القس سمعان عاقلة وابرزوا مجدداً فكرة اقامة التمثال، وتألفت لجنة لهذه الغاية برئاسة القس المذكور، وتعاقدت مع الفنان اللبناني الشهير يوسف سعدالله الحويك لصنع تمثال من البرونز ودفع تكاليفه من الاموال التي جمعت في الداخل والخارج وقد ارسلت هذه الاموال الى لبنان بواسطة المنسنيور ميخائيل فغالي الوكيل البطريركي الماروني في باريس والاب بولس حليم سعاده الاهدني.
وكان الفنان الحويك قد حمّل يد يوسف بك كرم جريدة، الاّ ان الاب عاقلة كتب اليه يقول له: اذا كنا نقيم لبطلنا العظيم تمثالاً فليس لانه كان يحسن ضرب الجريد، بل لانه استّل صمصامه واعمله بأقفية اولئك المستبدين الظالمين، لذا نرجوكم ان تجعلوا في يد كرم بدل الجريدة سيفاً مجرداً. وعند الانتهاء من صنع التمثال ارسل الى لبنان حيث وصل الى طرابلس في 26/ ايار من العام 1932 وقد اعفت المفوضية العليا اللجنة من الرسوم الجمركية. راجع مطولاً عن فكرة اقامة تمثال ليوسف بك كرم وحفلة ازاحة الستار عنه: كتاب تاريخ اهدن القديم والحديث باجزائه الاربعة لواضعه وناشره سمعان خازن – 1938.
كرم وابي صعب
تطرق المؤرخ الخوري يوسف ابي صعب في مؤلفه الى عائلة كرم وما أنبتت هذه العائلة من رجال عظام خدموا الدين والدنيا ووضع شجرة مفصلة متسلسلة لها بدءاً من الخوري كرم الذي هو من سلالة الشيخ ابي كرم يعقوب ابن الرئيس الياس الحدثي. ويشير ابي صعب في البحث السابع من كتابه تاريخ الكفور – كسروان واسرها الصفحة 293 وما يليها. وتحت الفصل المعنون حوادث عائلة ابي صعب ومقاتلة الكسروانيين لعسكر ابراهيم باشا الى العلاقة بين يوسف بك كرم وعائلة ابي صعب ويورد حرفياً في هذا السياق :
لما كان يوسف بك كرم في مار ضومط البوار، وذاع خبر مسيره عن طريق الكفور الى غوسطا حيث يجعل مركزه العسكري فيها ويبيت مساء السبت في 5 كانون الثاني سنة 1866 في مدرسة مار عبدا هرهريا خرج عدد كبير من رجال كسروان لاستقباله. فكان لهذا الخبر رنة فرح في الكفور وارسل يومئذ بنو ابي صعب حنا فرسان شيخ الشباب والمقدام عبدالله الخوري المشهور بكرمه وطلاقة لسانه، فقابلوا البك وابدوا له تمنيات اسرتهم وان لديهم اكثر من خمسين رجلاً مستعدون للعمل باشارته، فاكرمهما غاية الاكرام. وشكر لهما حمايتهما وعواطفهما الوطنية. وكان بنو ابي صعب والخواجه نجم فرنسيس علام ارسلوا ذخيرة ومساعدات الى كرم صحبة انسبائهم مخايل فرسان وبطرس منصور ابي صعب. وكان لدى البعض من عائلتنا اوراق بهذا المعنى فقدت لقلة اكتراثهم لها.
وفي الموقعة المعروفة بموقعة العفص، فوق غزير، وثب اولاد فرسان ابي صعب مع الكسروانيين على العسكر المحافظ حول غزير وهزموه شر هزيمة. فلما عاد المسيو الطاب الفرنساوي بعسكره من موقعة معاملتين سار لمعاونة العسكر لقتال الشبان الكسروانيين. وتحصن الاهالي وقد استبسلوا في الدفاع عن مراكزهم ولم يرتدوا حتى فرغ منهم البارود والرصاص.
وفي اذار سنة 1868 ارسل الامر منقذ شهاب قائد الدرك في كسروان فرقة من رجال الضابطة الى الفتوح ليأتوه بالخبر اليقين عن موقعة سبعل بين عسكر الحكومة وكرم. فمروا بالكفور يفحصون ويستعلمون، فأهانهم اولاد فرسان مع البعض من انسبائهم، وطردوهم وتهددوهم بالقتل: فاستاء مدير الفتوح الشيخ خليل الدحداح فبحسب الاوامر الواردة اليه من القائمقام نبه الصعبيين بأن يخلدوا الى السكينة والا فان داود باشا والعسكر التركي يخرب بيوتكم وقد ألمح الى هذا الحادث كتاب لبنان ويوسف بك كرم ص 441. وكان الصعبيون ملازمين كرم في حربه مع داود باشا، يترصدون اخباره عن بعد لشدة ضغط الحكومة ومراقبة جواسيسها ومعاقبتها لكل من تظاهر باسم كرم. راجع كتاب تاريخ الكفور – كسروان واسرها للمؤرخ الخوري يوسف ابي صعب صفحة 161 وما يليها عن اسرة كرم وصفحة 300 عن علاقة يوسف بك كرم بعائلة ابي صعب – وكتاب لبنان ويوسف بك كرم صفحة 412 – 420 للخوري اسطفان البشعلاني.
ترجمة حياته ومآثره
نشر العديد من المؤلفات التاريخية والأدبية والشعرية والمسرحية عن يوسف بك كرم، تناولت سيرة حياته النضالية والكفاحية، حتى بات بطل لبنان الاوحد، كما اطلق عليه هذه التسمية بعض المؤرخين والكتبة.
ذكرتُ بعض هذه المؤلفات القيمة في باب المراجع والاثباتات لوقائع واحداث حصلت حيث اصبحت تشكل من خلال ما جسده يوسف بك كرم تراثاً خالداً وثقافة عالية، ورمزاً وطنياً اجتمعت حول افكاره وسلوكه ومبادئه كل الفئات لتنادي بالحرية والسيادة والاستقلال لبلد كان يرزح تحت وطأة الاستعمار. فقدم هذا الرجل المقدام مثلاً رائعاً في التضحية والوفاء والاخلاص بعيداً عن المهاترات والتجاذبات، خالياً من اي مصلحة شخصية، بل برهن ان مصلحة الوطن تفوق بقيمها ومبادئها السامية كل غاية مادية وحتى معنوية قد تؤدي بهذا الوطن الى الانهيار والفساد.
وقد عثرت بين محفوظات مكبتة المؤرخ ابي صعب على كتاب من الحجم الصغير يحمل عنوان: بطل لبنان: يوسف بك كرم، يقع في 96 صفحة، وهو رواية لبنانية تاريخية ذات خمسة فصول بقلم ميشال يوسف حايك طوق في مطبعة الاجتهاد – بيروت – سنة 1922 كانت الغاية من نشرها وتمثيلها على مسارح لبنانية عديدة بث روح الوطنية وتقويتها والالتفاف من حول مبدأ واحد، الا وهو مبدأ الدولة القوية والجامعة تحت لوائحها كافة فئات الشعب من دون تفرقة او تمييز.

شارك هذا الخبر