مقابلة مع الانسة ماري سليم كرم مع صحيفة "الأنوار" في ١٩ آذار ١٩٩٦


مقابلة مع الانسة ماري سليم كرم مع صحيفة "الأنوار" في ١٩ آذار ١٩٩٦

حفيدة يوسف بك كرم تفتح دفتر ذكرياتها
منزل "بطل لبنان" يتداعى والعشب البري ينمو في جنباته
"أوصي زوجات المسؤولين بالمنزل والامومة وإلا فالعزوبية أفضل"

الآنسة ماري كرم شقيقة نائب زغرتا الراحل يوسف بك كرم باتت الذاكرة الزغرتاوية – السياسية البارزة  بعد وفاة الرئيس سليمان فرنجية.

عمرها يناهز ال ٨٨ (١٢ آب ١٩١٢) وذاكرتها ذاكرة صبية عشرينية. لكنها تتذكر في العلن المفرح فقط والذي لا يخدج مشاعر أية عائلة من العائلات الزغرتاوية. وان فعلت وانفعلت تستدرك مسرعة: "ان هذا الكلام ليس للنشر...ان المجالس بالامانات".

رفضت دخول القفص الذهبي لتبقى اليد اليمنى لأخيها ولاولاده اليوم "سليم وأسعد".

"الأنوار" التقتها في دارتها القديمة بعد ان زارت منزل بطل لبنان يوسف بك كرم الكائن على الطريق المؤدية الى المرداشية وقد تداعت جدرانه وسقفه ونبتت الحشائش في أرضه دون أية لفتة ترميمية وحتى لافتة تشير الى أهميته التاريخية.

للذكرى والدمعة

كان من البديهي ان نستهل حديثنا عن قصة عم والدها يوسف بك كرم وقد تحول طابقه الارضي اليوم الى دكاكين صغيرة فعلقت قائلة: "يؤسفني بل يوجعني ذلك. هذا المنزل الذي تتحدث عنه هو منزل جدي الاساسي ولا من يلتفت اليه لترميمه اذا كانت المحاولات اليوم تنفع بعد ذلك.

انه ملك يوسف بك كرم وكان يتألف من ثلاثة طوابق وفيها غرف للنوم والصالونات وكان يتميز بفن معماريقديم وجميل. تسالني لماذا لبس ثوب الاهمال، أريد ان أطرح هذا السؤال على مديرية الآثار وعلى أصحاب الهمم اذا كان لديهم معلومات بوجوده.

هذا المنزل أعرفه جيداً لقد سكن فيه بعد يوسف بك عمّي أسعد بك مع زوجته نزه (توفي سنة ١٩٠٣) وبعد وفاته تزوجت أرملته ثانية من الشيخ رزق كرم وعاشت في هذا المنزل الذي كان يجب أن يتحول الى متحف مع ابنتها.

ماذا بقي منه اليوم غير الجدران المتداعية والعشب البري في البهو والاقبية التي تحولت الى دكاكين صغيرة. لا أعرف لكن هذا الامر يؤلمني...".

في السياسة والقداسة

هذه الشخصية التاريخية لا توال تتمتع بقاعدة شعبية كبيرة، ليس فقط من باب الانتماء السياسي، بل من باب الايمان أيضاً. يقولون عنه استناداً لكتب ولخبريات المسنين أنه كان مؤمناً وتقياً. يطبعون لليوم صوره روزنامات ويعلقونها في الصالونات وينيرون أمامها الشموع في الشدة والمصائب وثمة كلمات  يتمتمون بها قبل الصلاة لراحة نفسه "يا يوسف بك يرحم امك وابيك وفقني..."

الآنسة ماري كرم تقول: "لقد رفع اسمنا عالياً. انه مفخرة لعائلتنا ولكل لبناني ازور ضريحه وجثمانه المحنط "في كنيسة مار جرجس اهدن حين أصعد الى الصيفية وحين انزل الى زغرتا لأصلي لراحة نفسه".

مسرحية يوسف بك

تقول انها حضرت المسرحية التي كتبها أنطوان غندور ست مرّات واحببتها لكن يوسف بك "تاريخه اكبر وهذه التمثيلية صغيرة ويحتاج لاكثر، احببت هذه المسرحية لأنها جعلت الناس تتذكر يوسف بك من جديد وبعد مئة سنة على وفاته". وعن الكتب التي قرأتها حول تاريخ يوسف بك قالت بأنها أحبت من بينها كتاب البشعلاني وقد أثر فيها كثيراً كتاب سمعان الخازن.

في موضوع الأشعار التي قيلت فيه قالت انها بالآلاف وقد جمعها محسن أ. يمين وانطوان القوال في كتاب "لسيفه الاشعار" ب٢٣۸ صفحة اضافة الى مجموعة الخطب والأشعار التي القيت في ١١ أيلول ١٩٣٢ يوم ازاحة الستار عن تمثاله في اهدن، وقد جمعها في كتاب وأصدره في السنة نفسها محسن بطرس معوض.احبت من كل هذه القصائد واحدة أكثر من غيرها وقد حفظتها لسبب واحد: "يوم ازاحة الستار تجمع البطاركة والأدباء والشخصيات في منزلنا وكان يوم أحد وقبل الاحتفال قال لي صاحب "الأقلام" الشعر حليم دموس: أريد ان أقرأ على مسامعك قصيدة المناسبة قبل ان تحين لحظتها وانني أفعل ذلك استثنائياً لك. أحفظ منها اليوم: "أزحِ الستارَ وقِفْ لدى تمثاله – فالأرزُ حنَّ الى عظيم رجاله – قالوا اللقاء باهدن وباهدن – ليث العرين وملتقى أشباله..." هذا الشعر اردده لليوم وأحبه كما التمثال البرونزي المصنوع في ايطاليا.

يوسف بك الثاني

تقول الآنسة ماري كرم: "زعامتنا مستندة الى شعبية المبدأ والشرف. عمي يوسف بك تميزت شخصيته بالبطولة وشقيقي النائب يوسف كرم حامل اسمه تميز بالآدمية في السياسة. اشتغلت سياسة وكم تغيرت السياسة اليوم (ما عاد في سياسة...). حضرت مع أخي حملاته الانتخابية وكم أفرح اليوم بنشاط زوجات النواب والوزراء لكن أوصيهن بأن المنزل والأمومة أولاً وإلّا فالعزوبية أفضل.

شقيق دخل المجلس أربع مرّات. مرّة اولى في المجلس النيابي الأول بعد الاستقلال ٢١ أيلول ١٩٤٣ وحتى ٧ نيسان ١٩٤٧ ومرّة ثانية في مجلس النواب السادس ٢٥ أيار ١٩٤٧ حتى ٢٠ آذار ١٩٥١ مع حميد فرنجية. وفي المرة الثالثة دخل مجلس النواب السابع في حزيران ١٩٥١ حتى ٣ أيار ١٩٥٣ مع الزعيم حميد فرنجية وانطوان اسطفان (من كفرصغاب) وآخر مرّة دخلت عائلتنا البرلمان كانت في مجلس النواب العاشر في ١٨ تموز ١٩٦٠ وحتى ٨ أيار ١٩٦٤ مع الرئيسين سليمان فرنجية ورينيه معوض. يوسف شقيقي لن أنسى دخوله المجلس النيابي لاول مرة كالملوك طالما أنا على قيد الحياة…". ورداً على سؤال يتعلق بالشأن السياسي جاوبت: "المواضيع السياسية تحدّث فيها مع أولاد أخي سليم وأسعد...". وفضلت أن تعود إلى الذاكرة مستذكرة الزوار الضيوف: "كنت في السابعة حين زارنا جمال باشا العظيم برفقة ٦٠ خيالاً، فاستقبلتهم والدتي جميلة المكاري على الغداء. أتذكر زيارات البطاركة عريضة والحويك الذي شارك في تنصيري في كنيسة مار جرجس اهدن. أتذكر زيارة الرؤساء من حبيب باشا السعد الى كميل شمعون (أكثر من مرة) إلى إبن اهدن البار الرئيس سليمان فرنجيه الذي كانت تربطه بمنزلنا صداقة عميقة. وثمة صور لدينا لزيارة الشيخ بشارة الخوري منزلنا برفقة مجلس النواب.

من الاجانب هناك الجنرال كاترو، الجنرال كازا بلان، الجنرال شارل ديغول وقد أقمنا له إستقبالاً على الطريقة الزغرتاوية في الميدان، كما أذكر جملة قالها الجنرال غورو أمامي حين وقف تحت صورة مبروزة لجدي يوسف بك "J’ai l’honneur d’etre sous le portrait du Prince Joseph Karam" (يشرفني أن أقف تحت رسم الأمير يوسف كرم).

كما كنت أملك من ضمن مجموعة الوثائق المهمة واحدة تشير إلى زيارة الشاعر الفرنسي "لامرتين" لمنزلنا...الوفود الأجنبية والجنرالات كانوا يرددون امامنا: "زرنا عشرات البيوت اللبنانية لكننا لم نشاهد "الاتيكيت" على موائد كما في فرنسا إلا في منزلكم".

وتكمل سرد الحكايات والوقائع قائلةً: "من الحرب العالمية الأولى استرجع أكثر حديثة تضج اليوم في رأسي حين طلب والدي استقدام أحد الأطباء الفرنسيين بعربات الخيل الى زغرتا واهدن لتطهيرهما من الهواء الأصفر. اشتغلت في السياسة بعمر السبع سنوات. وأول مهمة كلفني بها الوالد كانت عام ١٩٢٠ لاستقبل المندوب الفرنسي بوسنو وكرت السبحة إلى اليوم حيث بقيت مسؤولة عن جمعية بطل لبنان يوسف بك كرم ٤٢ سنة.

العمل السياسي وفي الحقل العام ضمن زغرتا فيه صعوبة لكنه برغم كل شيء "حلو"...

شارك هذا الخبر