كلمة الإعلامي روبير فرنجية في حفل إطلاق طابع يوسف بك كرم


كلمة الإعلامي روبير فرنجية في حفل إطلاق طابع يوسف بك كرم

يوسف بك كرم بين التاريخ والتأريخ: من علاقة المغارة الى القصر.

روبير فرنجية

حتى وإن كان الاحتفال بولادة الطابع فطابع كل احتفال بيوسف بك كرم هو الطابع والمطبوع في الذاكرة والوجدان: "فلأضحَ أنا وليعش لبنان"

هو قبل الطابع البريدي بريدنا الى العنفوان. هو ذخيرة، أيقونة، صورة في كتب صلواتنا ورزناماتنا وعلى رفوف مكتبتنا. ألسنا نحن أهل زغرتا وإهدن الذين اخترعوا له تلك الصلاة كلما أضاعوا شيئاً: "يا يوسف بك يرحم أمك وبيك دعني أعثر على المفقود" ونقول أنه لم يخذلنا ولا مرة.

أقواله، فكره، نضاله، مواقفه كجثمانه في كنيسة مار جرجس إهدن حُنطوا في أذهاننا وحفظناهم كما الأشعار والتراتيل والقصائد الى حد الترسخ.

مضى القرن الأول على رحيله وانقضى ربع قرن جديد ولا يزال هذا الأخير المتمرد عنوان الإصدارات والكتب والدواوين والمسرحيات والبرامج التمثيلية والتوثيقية.

كل سنة نطلع ونطالع في كتاب جديد وفي مضمون جديد وكل مرة اضافة على الذي كتب ووثق.

وان قمنا بجردة على هذه المكتبة لا يمكننا إلا أن نسجل مفارقة وهي أن الذين يكتبون عن يوسف بك كرم من الشمال أكثر من زغرتا ومن خارج الشمال أكثر من الشمال ومن المغتربين أكثر من المقيمين.

لسنا في هذه اللحظة هنا ومن على منبر المسرح البلدي – زغرتا (قاعة بيار فرشخ) لنحصي الكتب بالسنوات والأرقام لكن إن استعدنا رفاً واحداً من رفوف المكتبة الكرمية، نسجل الآتي من المؤلفين: الخوري اسطفان البشعلاني، المؤرخ سمعان خازن، نسيم نوفل، أنطوان القوال ومحسن يمين (أعدا أكثر من رزنامة عنه)، سركيس أبو زيد، موريس عواد، أنطوان عيروت، رتيب عمون عيد، الأب يوحنا مخلوف، يوسف فنيانوس، ومن الجالية اللبنانية في أستراليا دفع الزميل سركيس كرم بأكثر من كتاب عنه باللغة الانكليزية ومن الجالية اللبنانية الفنزويلية قدم لنا المغترب غسان مكاري"كرم" بالاسبانية. مع الاشارة الى أن أغلبية الذين تناولوا كرم قدموا للمكتبة أكثر من كتاب.

أما جواباً عن المواضيع التي تم طرحها فهي في قسم منها الآتي كنماذج: يوسف بك كرم ومذابح الستين، مذكرات يوسف بك كرم السياسية والاقتصادية والدينية، تاريخ أسرة كرم في إهدن، نشأة يوسف بك كرم، يوسف بك كرم والبطريرك بولس مسعد، لسيفه الأشعار، عروبة يوسف بك كرم، قديس غير مطوب، هيدا الرجال يوسف كرم، يوسف بك كرم سيف وقلم، أنت الريح ونحنا النار، يوسف بك كرم قضية وسيف، الدوحة الكرمية، الأمير المتمرد، يوسف بك كرم أيقونة وقربان على مذبح الوطن، يوسف بك كرم قبل المتصرفية، لبيك يا لبنان يوسف بك كرم، لعيونك يوسف بك، أمير الأبطال...

من القصائد الشعرية التي أرّخت معركة بنشعي الظافرة ضد الأتراك واحدة للشاعر الراحل أسعد السبعلي من ديوانه "أبو جميل" ومنها:

وبعدها بنشعي بتتذكر

ثورة كرم والمدفع الداوي

شق الصفوف، وشرد العسكر

البيك فوق حصان عنزاوي

والارض لبست ثوبها الأحمر

من الكان عَ خراب الجبل ناوي

وحقو تراب الأرز يتكبر

يالبيك بالسيف الزغرتاوي

تمثالك صوت الحرية

وحكاية أم الأبطال

والنخوة الهدنانية

والوهرة اللبنانية

وجبين الليى ما بينطال

هذا في الشعر والقصيدة أما في المسرح والتمثيل فقد تناوله أكثر من سيناريست وكاتب ومخرج ولو عدنا الى الأمس الجميل لأستوقفنا ان المخرج الراحل يعقوب الشدراوي كان بعمر الـ 12 سنة حين شارك كممثل في مسرحية تدور حول كرم من تأليف الأب حنا طنوس انتقالاً الى "مغناة بنشعي" للكاتب الراحل أنطوان القوال وكيف صدح في مهرجانات "حمينا" صوت المطربة أنطوانيت الدويهي لكرم "الله معك يا هالبطل يا نور ساطع بالجبل..." الى الشاعر أنطونيوس أبو ملحم الذي كتب ومثل في إذاعة إهدن مسلسلاً اسمه يوسف بك كرم من 15 حلقة وكان معه في التمثيل الشاعر الراحل يونس الابن وفرقة النعيمي وصولاً الى الرائعة المسرحية التي قدمت على مسرح "الايفوار" للثلاثي: أنطوان غندور، أنطوان كرباج، ريمون جبارة. وكم كانت دهشتي كبيرة حين دعتنا مدرسة مار يوسف في قرنة شهوان وحضرنا ذات المسرحية بأداء تلاميذهم باحتراف كبير.

اليوم سيعود "يوسف بك" الى خشبة المسرح مع الأب المدبر فادي تابت في مسرحية "أيامك يا بطل" وسيكون الممثل يوسف حداد بشخصية "البطل كرم" وهو قال: "حين دعاني الأبونا الى مسرحه وافقت قبل ان أقرأ مجرد ان عرفت أنني سأكون "يوسف بك كرم" وفي اللحظة التي أخذت منه الورق شعرت أنني من زغرتا كما أنني على بطاقة الهوية من زحلة".

وعدا هذه المسرحية ثمة عنوان تلفزيوني لشركة "فينيكس بيكتشرز" اسمه "رياح الثورة" عن كرم من أربعين حلقة لغابي مرعب تنوي تصويره هذا عدا رغبات سمعناها لتصوير أفلام سينمائية تناهت الينا من المخرجين سعيد الماروق ونبيل لبس. ومسرحية أخرى في جهوزية للعرض لفرقة النعيمي واسمها: "لعينيك يوسف بك"

يوسف بك كرم الذي حاول أن يصنع من الشعب اللبناني بطلاً ليصبح الشعب البطل هو الذي يصنع القائد البطل له في اللوحات المرسومة بالزيت والرصاص عشرات الصور وغرس في الأرض بأكثرمن نصب وتمثال.

من تمثاله الأشهر على ساحة "الكتلة" في إهدن الى نصبه الحجري في ساحة كنيسة مارت مورا في بنشعي التي صلى فيها قبل خوض معركته الشهيرة الى زغرتا التي له في يبوتها وساحاتها أكثر من تمثال. كما له في محمية حرج إهدن قرنفلة تفوح وتسمى "قرنفلة كرم".

كم لهذا البطل محطات في كل قرية لبنانية والمرويات بين المشهور والمغمور.

أذكر سنة 2004 كنت أقوم بزيارة صحفية لبلدة "كوسبا" الكورة (نشر المقال في جريدة الأنوار الأحد 18 كانون الثاني 2004) ففرض الموضوع نفسه: "مغارة يوسف بك في كوسبا شاهد على حقبة من التاريخ. يومها كنت أجهل كغيري من بعض الناس المهتمة بتراث هذا الرجل أن له في هذه البلدة مغارة صعدنا اليها من محلة حرجية تزنرها الأشجار ومن سلالم عتيقة – بدائية الى "مغارة البيك". مغارة صغيرة الحجم لجأ اليها البطل بعد معركة "بنشعي" الظافرة التي توجته بطلاً بعد انتصاره على رجال دولة المتصرف داوود باشا سنة 1866. يومذاك تكمل الرواية كثف المتصرف حملته للقبض على البطل الاهدني واحتل قضاء زغرتا. ومن كتابً تاريخ إهدن أصول ومراجع ص. 88 أن كرم لكي يخفف من سقوط المزيد من الضحايا التجأ مع بعض رجاله الى كوسبا وتحصن في مغارة بأعاليها وهي قريبة من منزل الصحافي سليم سعيد نصار وبعدها لليوم مقصداً للزوار من الباحثين والمؤرخين. وأبناء الكورة يتناقلون لليوم رواية ان مواطنهم الشيخ يعقوب الياس غصن كان يؤمن الطعام لكرم ورجاله بواسطة المواطن فرح جريج وحين علم رجال المتصرف أرادوا تسليمهم كرم.

لكن وجهاء البلدة سلموا فرح ليتفادوا خيانة كرم وتسليمه. وبقي يوسف بك حافظاً لهذا الجميل ويعترف به حتى حين زاره ابن الكورة في منفاه في "نابولي" ايطاليا ذكره بالمغارة وأولم على شرفه "الكبة". ويقول في هذا الإطار نائب الكورة المرحوم باخوس حكيم: "بين كوسبا وإهدن علاقة محبة وأخوية بدأت من المغارة الى القصر". وربما حكاية المغارة أسست للعلاقة التاريخية بين زغرتا والكورة.

حين طلبت مني رئيسة مؤسسة يوسف بك كرم كريمة النائب سليم كرم ريتا أن أتحدث بمناسبة إصدار الطابع البريدي لم تسألني ماذا سأقول وأية كلمة سأكتب لكنني وعدتها أنني سأتقاسم معها في المنطق الدعوة لكل من بعثر واختلس ونثر وتاجر أو احتفظ من غير حق بغرض من أغراضه أو توارثها. أعيدوا ما لكرم من محتويات ليكون له المتحف الخاص. فاذا كانت حفيدته ريتا كرم تتعاون مع جامعة الروح القدس الكسليك لجمع المشتت والمتناتش من إرث كرم، فعلينا أن نتجاوز هاجس "اللقية" فاغراض كرم ليست لقجة الأرشيف ولا للتباهي باستملاكها للديكور. علينا جميعا أن نسلم أغراض البيك لمشروع متحف يليق به وباسمه.

وختاماً أذكر أنني التقيت في حوار صحفي حفيدة بطل لبنان المرحومة ماري كرم (شقيقة النائب المرحوم يوسف كرم وعمة النائب سليم كرم) والحوار نشر في 19 آذار 1996 في الأنوار أخبرتني ان الجنرال غورو وقف تحت صورة في إطار لجدها "يوسف بك" وقال بها بالفرنسة

J’ai l’honneur d’être sous le portrait de prince Joseph Karam

(يشرفني أن اقف تحت رسم الأمير يوسف كرم)

مثلما يشرف الدولة اللبنانية بعد هذا العمر الطويل أت تزدان مراسلاتها بطابع تذكاري يحمل صورته واسمه.

هنيئاً لنا الطابع التذكاري وربما الطوابع تصمد على رسائلنا سنوات أو ربع قرن. لكن يوسف بك كرم ترسخ في الذاكرة وسكنها لغاية اليوم.

شارك هذا الخبر